تعد مدينة القدس المحتلة بؤرة للاختبارات الأخلاقية والقانونية، إلا أن الواقعة الأخيرة التي شهدت اعتداءً عنيفاً على راهبة مسيحية على يد المستوطن يونا شرايبر، كشفت عن عمق الفجوة في موازين العدالة الدولية والمحلية. فالمتهم ليس مجرد فرد معزول، بل هو أحد الأعمدة المؤسسة لجمعية "النصر اليهودي" رفقة الناشط اليميني المتطرف موشيه ميرون، مما يثبت أن الفعل لم يكن نتاج لحظة عابرة، بل ثمرة بيئة فكرية ترى في الآخر عدواً يجب استئصاله. ومع ذلك، جاء قرار القاضي بتمديد اعتقاله مع إخضاعه لـ "فحص نفسي"، وهو إجراء بات يُقرأ كتمهيد ممنهج لإغلاق ملفات الاعتداءات الإرهابية ضد الفلسطينيين والمقدسات دون إدانة فعلية.
إن تحول الطب النفسي في المحاكم، في القضايا التي يكون فيها المعتدي مستوطناً والضحية فلسطينياً أو رمزاً دينياً غير يهودي، يمثل استراتيجية لنزع الصبغة الإرهابية عن الجريمة. فبتصنيف الجاني "مريضاً"، تُسقط المحكمة عنه صفة "المخرب"، وبالتالي تُعفى المنظومة الفكرية والجمعيات التحريضية التي أنتجته من المسؤولية. هذا "الهروب عبر المرض النفسي" لا يُمنح كامتياز للفلسطيني الذي قد يرتكب فعلاً تحت ضغط الاحتلال، بل يُعامل الأخير كإرهابي بكامل قواه العقلية، بينما يُغسل إرهاب المستوطنين بماء التشخيص الطبي ليخرجوا "بلا أهليّة جنائية".
ولفهم حجم التناقض، يكفي أن نتخيل المشهد معكوساً؛ فلو كان المعتدى عليه حاخاماً يهودياً في أحد شوارع أوروبا، لتحولت الماكنة الإعلامية والدبلوماسية إلى إعصار لا يهدأ، ولتم تصنيف الحادث فوراً كجريمة "معاداة سامية" تستوجب استنفاراً عالمياً. في تلك الحالة، لن يجرؤ أحد على طرح فكرة الفحص النفسي، بل سيتم التعامل مع الجاني كـ "مجرم فكر" يهدد قيم الحضارة، وستطالب القيادات السياسية بأقسى العقوبات الرادعة التي تطال الجاني وبيئته الاجتماعية والسياسية.
هنا تبرز ازدواجية المعايير في أبهى صورها؛ فبينما يُستخدم مفهوم "معاداة السامية" دولياً كدرع حماية قانوني وسياسي صارم، تُستخدم "الورقة النفسية" محلياً كصك غفران لتبرئة المتطرفين من جرائم الكراهية الواضحة. إن هذا التعامل لا يضيع حق الضحية فحسب، بل يرسل رسالة أمان لكل من يحمل فكراً عدائياً للاستمرار في اعتداءاته تحت حماية "الظروف النفسية"، مما يحول القانون من أداة لتحقيق العدالة إلى وسيلة لتثبيت السيطرة ومنح الحصانة للإرهاب الأيديولوجي المنظم.
