حروب الاستنزاف

عقيدة تل أبيب العسكرية الجديدة بين غرور التفوق الحربي وفخ الصراع الدائم

نتنياهو وسط جنود جيش الاحتلال
نتنياهو وسط جنود جيش الاحتلال

اعداد: نادر خليل

شهد الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي تحولاً جوهرياً من منطق "إدارة الصراع" إلى "حسم الصراع"، حيث أعادت إسرائيل تقييم عقيدتها الأمنية بعد فشل  (7 أكتوبر). يعكس هذا التحول انتقالاً نحو:

  • استراتيجية عسكرية أكثر عدوانية وتوسعية
  • اعتماد مكثف على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
  • تبعية استراتيجية متزايدة للولايات المتحدة
  • إدارة متعددة الجبهات من خلال "حرب بلا حدود زمنية واضحة"

أولا: التحول الاستراتيجي الأساسي

  • الخطأ التاريخي: ترى إسرائيل أنها إعتمدت لعقود على إدارة صراع منخفض الحدة بدل الحسم النهائي
  • نتيجة الفشل: تآكل تدريجي في قدرات الجاهزية والتدريب العسكري
  • التصحيح الحالي: العودة إلى مفهوم الحسم كضرورة استراتيجية وليس خياراً

المسؤولية المؤسسية المشتركة

  • فشل أكتوبر 2023 لم يكن خللاً عملياتياً وحسب، بل انحرافاً بنيوياً عن المبادئ الأساسية
  • المسؤولية موزعة بين الجيش والمستوى السياسي
  • اختيار واعٍ لأولويات سياسية على حساب الأمن الأساسي

ثانيا: ملامح العقيدة العسكرية الجديدة

أركان التحول الأربعة:

المحور

المحتوى

سلاح الجو

من أداة تنفيذية إلى إطار ناظم للعمليات

المنع الاستباقي

اعتماد ضربات متتابعة تهدف للاستنزاف البنيوي دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة

الحرب متعددة الأبعاد

دمج الجو والسايبر والاستخبارات والبحرية في غرفة عمليات واحدة

الذكاء الاصطناعي

من أداة دعم إلى عنصر حاسم في تسريع القرار والتنفيذ

تعريف جديد للحسم:

  • لا يمكن نهاية الصراع بانتصار سريع
  • لكن: إدارة طويلة الأمد مع إبقاء الجبهات تحت السيطرة
  • النتيجة: استنزاف مستمر على الجبهة الداخلية والاقتصاد

ثالثا: العلاقة مع الولايات المتحدة: من التنسيق إلى التبعية

معادلة "دعم مقابل ضبط":

الدعم الأمريكي:

  • شحنات سلاح غير محدود
  • غطاء سياسي وفيتو في مجلس الأمن
  • تحالف عسكري مباشر (أول حرب أمريكية-إسرائيلية مشتركة)

الضبط الأمريكي:

  • تحديد توقيت العمليات وحدودها
  • تنسيق مسبق في الساحات الحساسة
  • قيود على الأهداف والاستراتيجية

المخاطر:

1- ارتهان استراتيجي متزايد لقرار أمريكي قد يتغير

2- تقليص الاستقلالية في صنع القرارات العسكرية

3- ارتباط القوة الإسرائيلية بتقلبات السياسة الأمريكية الداخلية

رابعا: الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران: اختبار العقيدة الجديدة

التحول في الاستراتيجية:

  • السابق: إدارة غير مباشرة للتهديد عبر الوكلاء والردع
  • الحالي: فعل عسكري مباشر ومبادر

الأهداف المركزية الأربعة:

  1. تقويض البرنامج النووي
  2. استهداف منظومة الصواريخ الباليستية
  3. تفكيك شبكات القيادة والسيطرة
  4. ضرب منظومات الدفاع الجوي

المعضلة الاستراتيجية:

(تطور إيجابي) التفوق العسكري: قدرات عسكرية هائلة وغير مسبوقة

(تطور سلبي) الفشل السياسي: عدم القدرة على ترجمة النصر العسكري إلى تسوية سياسية

خامسا: المشهد الفلسطيني: ساحة معقدة

أ) غزة: من السيطرة إلى الإرباك

  • التحول: من حسم عسكري كامل إلى إدارة سيطرة نسبية
  • النمط الجديد: ممرات عازلة، تقسيم قطاعي، عمليات محدودة متكررة
  • المشكلة: استمرار وقف إطلاق نار غير رسمي بدون أفق سياسي
  • المؤشر: تحول من حسم إلى مجرد إدارة مؤقتة

ب) الضفة الغربية: "جبهة أمن داخلي"

  • استنزاف عسكري يومي مستمر
  • غياب أفق سياسي
  • دور متصاعد للمستوطنين كشركاء فاعلين
  • استنزاف وحدات من احتياط الجيش
  • الإحصائيات: أكثر من 1,770 اعتداء من المستوطنين في 2025
  • النتيجة: مفارقة استراتيجية نجاحات تكتيكية لكن استنزاف دائم

سادسا: اتفاقيات التطبيع: إعادة التموضع

التطور:

  • السابق: خيار سياسي لتحسين البيئة الإقليمية
  • الحالي: استجابة تكيفية لواقع أمني جديد

المكاسب:

توسيع دائرة التحالفات (دخول كازاخستان)

شبكات طاقة وأمن استراتيجية (اليونان وقبرص ومصر)

تعميق التحالفات الثلاثية في البحر الأبيض المتوسط

قوة التناقضات

1- الفجوة بين التفوق والحسم

التفوق العسكري فشل النصر السياسي

 القدرة على الضرب فشل إحداث تغيير بنيوي

2- دينامية الاستنزاف الدائم

  • الحسم الجديد: إدارة طويلة المدى = استنزاف مستمر
  • النتيجة: ليس حل بل تأبيد الصراع

3- تناقض الاستقلالية والتبعية

  • اعتماد متزايد على الدعم الأمريكي
  • فقدان الهامش الحقيقي للمناورة الاستراتيجية
  • ارتهان بمصالح القوة العظمى

4- التحدي الأساسي المتبقي

السؤال المركزي عام 2026 ليس: "كيف تردع إسرائيل خصومها؟"
بل: "كيف تتجنب أن يتحول الردع ذاته إلى إطار لاستنزافها الدائم؟"

سابعا: مواقف وحسابات قبل الإنفلات 

الموقف الإسرائيلي: تحديات كبرى

    1. فقدان التوازن: القوة العسكرية لن تنجح دون رؤية سياسية واضحة
    2. السعي إلى تقليص الاعتماد على أمريكا من خلال تطوير قدرات ذاتية مستقلة
    3. الحاجة إعادة تعريف النصر: لن تحصل على نصر مطلق وتحتاج استقرار إقليمي مستدام
    4. تحدي الجبهة الداخلية ضرورة تقليل الاستنزاف الاقتصادي والعسكري وأهمية بناء توافق سياسي داخلي

الموقف الإقليمي: تحولات ضرورية

  1. توقع استمرار الضغط العسكري الإسرائيلي تحت غطاء أمريكي
  2. الاستعداد لحرب طويلة الأمد بدل تسويات سريعة
  3. تعميق التحالفات البديلة (روسيا، الصين)
  4. استنزاف القوة الإسرائيلية عبر حروب الاستنزاف المتعددة

للمجتمع الدولي: الصمت خسارة

  1. عدم الاكتفاء بتوسيع التطبيع كحل
  2. فرض سقف قانوني على الحروب والعمليات العسكرية
  3. دعم حلول سياسية حقيقية قبل تأبيد الصراع
  4. احتواء التصعيد الإقليمي قبل فقدان السيطرة

ثامناً: الخلاصة:

الاتجاه العام:

إسرائيل تتجه نحو حالة من "الضبط المتوتر الدائم" على جبهات متعددة، مع مؤشرات:

  • تفوق عسكري تكتيكي مستمر
  • عجز استراتيجي عن تحقيق حسم حقيقي
  • استنزاف متراكم للموارد والجنود
  • ارتهان متزايد للقرار الأمريكي

السيناريو الأرجح (2026-2027):

استمرار "الحرب الباردة الساخنة" = توتر عالي + عمليات محدودة + غياب تسويات حقيقية

التطورات المحتملة:

تصعيد غير مقصود قد يؤدي لحرب شاملة

تآكل تدريجي للقدرات العسكرية الإسرائيلية

فقدان الشرعية الدولية بسبب الاستنزاف المستمر

تغيرات في السياسة الأمريكية قد تغير المعادلة جذرياً

الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية تتجه نحو إدارة صراع دائم قائم على التكنولوجيا والضربات الاستباقية بدل الحسم التقليدي. هذا النموذج يعزز السيطرة قصيرة المدى، لكنه يخلق حالة استنزاف مستمر ومخاطر تصعيد إقليمي واسع.

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo