إعلان رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في 14 أبريل/نيسان 2026 تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية التعاون الدفاعي مع إسرائيل لا ينبغي قراءته بوصفه انقلابًا جذريًا في السياسة الإيطالية تجاه إسرائيل، ولا بوصفه قطيعة كاملة معها. فالقرار، بصيغته الدقيقة، لا يلغي الاتفاق فورًا، بل يوقف فقط آلية تجديده الصامت ويترك الباب مفتوحًا أمام تجديد لاحق أو إعادة تفاوض. وهذه الصيغة الحذرة تكشف في حد ذاتها جوهر الموقف الإيطالي: الاعتراض من دون كسر العلاقة، وإرسال رسالة سياسية من دون الذهاب إلى مواجهة استراتيجية مفتوحة.
غير أن البعد الأهم في هذه الخطوة لا يكمن فقط في التصعيد الإقليمي، بل في الطريقة التي اختارت بها الحكومة الإيطالية التراجع المحدود. فلو كان الهدف أخلاقيًا أو قانونيًا خالصًا، لكانت روما قادرة على اتخاذ خطوة أشد وأوضح منذ زمن، خاصة أن الاتفاقية استمرت طوال المراحل الأشد دموية من حرب غزة، رغم الاحتجاجات الشعبية الواسعة والانتقادات السياسية والحقوقية. كما أن القانون الإيطالي رقم 185 لسنة 1990 يضع منذ الأصل قيودًا واضحة على تصدير السلاح إلى الدول المنخرطة في نزاعات مسلحة أو التي تتعارض سياساتها مع مبادئ الدستور الإيطالي والالتزامات الدولية. ومع ذلك، لم تتحرك الحكومة حين بلغ الضغط الأخلاقي والقانوني ذروته، ما يعني أن العامل الحاسم لم يكن القانون وحده، بل تغير الحساب السياسي
هنا يبرز العامل الداخلي بوضوح أكبر. فبعد خسارة ميلوني استفتاء إصلاح القضاء في 23 مارس/آذار 2026، دخلت الحكومة مرحلة أكثر حساسية سياسيًا. وقد ربطت رويترز بين القرار وبين إعادة تموضع تقوم بها ميلوني في ضوء تنامي الضغط الداخلي، وتزايد الخشية من أن يتحول الارتباط الوثيق بسياسات بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب إلى عبء انتخابي مع اقتراب الانتخابات العامة المتوقعة بحلول أواخر 2027. وبعبارة أخرى، يبدو أن الحكومة اليمينية لم تعد تتصرف من موقع الثقة نفسها، بل من موقع الحذر ومحاولة استدراك ما يمكن استدراكه قبل أن تتراكم عليها كلفة سياسية أشد في الداخل.
ومن هذه الزاوية، يصبح القرار أقل تعبيرًا عن مراجعة مبدئية، وأكثر تعبيرًا عن ذكاء سياسي دفاعي. فالحكومة تدرك أن المزاج العام في إيطاليا لم يعد كما كان، وأن استمرار الاصطفاف غير المشروط مع إسرائيل، في ظل اتساع الحرب إلى لبنان والتوتر مع إيران وارتفاع المخاوف الاقتصادية، قد يضعف قدرتها على خوض الاستحقاقات المقبلة بأقل خسائر ممكنة. لذلك جاء القرار بصيغة وسطية: ليس إلغاءً للاتفاق، بل وقفًا لتجديده التلقائي؛ وليس قطيعة مع إسرائيل، بل تخفيفًا مدروسًا لحرج العلاقة معها. وهذا بالضبط ما يعطي الانطباع بأن روما تحاول تخفيف الضرر السياسي قبل أن يصبح أثقل انتخابيًا.
صحيح أن التطورات الإقليمية كانت مهمة ومباشرة. فالتوتر بين روما وتل أبيب تصاعد بعد الهجمات الإسرائيلية على لبنان، وبعد تعرض قافلة إيطالية ضمن قوات اليونيفيل لإطلاق نار، وهو ما دفع إيطاليا إلى استدعاء السفير الإسرائيلي، كما جاء في سياق رفض أوسع للانخراط في التصعيد العسكري الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران. لكن هذه العوامل الخارجية نفسها لا تفسر وحدها اختيار هذه اللحظة بالذات ولا هذا الشكل الحذر بالذات. فالذي أعطى لهذه التطورات وزنها الحاسم هو أنها تزامنت مع لحظة ضعف نسبي للحكومة في الداخل، ومع شعورها بأن كلفة الصمت أو الاستمرار أصبحت أعلى من السابق.
ويعزز هذا التفسير أيضًا أن البعد الاقتصادي الصرف لم يكن حاسمًا أصلًا. فإيطاليا ليست موردًا رئيسيًا للسلاح التقليدي إلى إسرائيل؛ إذ تظهر بيانات SIPRI أن الولايات المتحدة وألمانيا تهيمنان تقريبًا على هذا المجال، بينما تبقى حصة إيطاليا هامشية جدًا، في حدود 1% أو أقل بحسب الفترات المرجعية. لذلك لا يبدو أن جوهر المسألة كان حماية مصلحة تجارية إيطالية ضخمة في تسليح إسرائيل، بل إدارة ملف سياسي ورمزي وتحالفي حساس. ولهذا تحديدًا كان من الأسهل على الحكومة أن تعدّل موقفها جزئيًا حين تغيرت الكلفة السياسية، من دون أن تخسر شيئًا اقتصاديًا كبيرًا بشكل مباشر.
وفي هذا المناخ الداخلي، لا يمكن تجاهل دور المعارضة، وخاصة جوزيبي كونتي، رئيس حركة خمس نجوم. فقد كان كونتي من أكثر الأصوات الإيطالية حدة في توصيف ما يجري في غزة، وقال صراحة إن ما ترتكبه إسرائيل هو "إبادة جماعية" وإننا أمام "إهانة للإنسانية"، ثم عاد لاحقًا ليقول، بصفته jurist، إن ما يجري في غزة يرقى وفق القانون الدولي إلى إبادة جماعية. كما قدّم نفسه في الأيام الأخيرة باعتباره جزءًا من تحدٍّ تقدمي أوسع للحكومة، وقال إن “جرس الاستفتاء” لم يُسمع بعد في قصر كيجي، في إشارة واضحة إلى أن المعارضة ترى في تراجع الحكومة فرصة سياسية يجب البناء عليها. بهذا المعنى، لم يكن قرار ميلوني معزولًا عن ضغط الشارع فقط، بل جاء أيضًا في سياق تصاعد خطاب معارض أكثر جرأة يسعى إلى تحويل السياسة الخارجية إلى عبء داخلي على اليمين الحاكم
من هنا، فإن القراءة الأقرب إلى الواقع هي أن تعليق التجديد التلقائي للاتفاق العسكري مع إسرائيل ليس تعبيرًا عن قناعة جديدة كاملة، بل عن حذر سياسي متأخر. فالحكومة الإيطالية اليمينية، التي تحملت طوال الفترة السابقة الضغط الأخلاقي والقانوني والشعبي، بدأت تتحرك فقط عندما تزامن التصعيد الإسرائيلي الإقليمي مع احتمال ارتفاع كلفته انتخابيًا داخل إيطاليا. ولذلك فإن الخطوة تبدو، في جوهرها، محاولة استدراك مدروسة: تخفيف عبء العلاقة مع إسرائيل، وامتصاص جزء من غضب الرأي العام، وإظهار قدر من الاستقلال عن نتنياهو وترامب، لكن من دون حرق الجسور بالكامل. إنها، باختصار، سياسة حذر لا سياسة قطيعة، ومناورة استباقية قبل الانتخابات أكثر مما هي مراجعة مبدئية شاملة.
