التفريغ الصامت لغزة

شاب فلسطيني يبكي امام الدمار الذي حل ببيته وأسرته
شاب فلسطيني يبكي امام الدمار الذي حل ببيته وأسرته

السياسات النقدية، التحكم بالتجارة، والاقتصاد السياسي لاستنزاف الصفوة المهنية

غالبًا ما يُقدَّم الانهيار الاقتصادي في غزة بوصفه نتيجة حتمية للحرب والتدمير المادي. غير أن هذا التأطير يُخفي عملية أكثر هدوءًا وأشدّ استدامة، باتت تعيد تشكيل القطاع اليوم: توظيف الأدوات النقدية والمصرفية والتجارية والمؤسسية لا كوسائل استقرار، بل كآليات استنزاف اجتماعي انتقائي.

لا تطال هذه العملية المجتمع الغزي بالتساوي؛ بل إن آثارها منظَّمة وموجَّهة، وتتركز بصورة متزايدة على الفئة الأكثر أهمية لأي تعافٍ مستقبلي.

القطاع غير الرسمي والتعرّض الانتقائي للقطاع الرسمي

حتى قبل الحرب، كان اقتصاد غزة يتّسم باتساعٍ بنيوي للقطاع غير الرسمي، وهي سِمَة تفاقمت أكثر في ظل الحصار والحرب. ونتيجة لذلك، لم تكن الرؤية المالية موزّعة بالتساوي داخل المجتمع. فالعلاقات المصرفية—حسابات الرواتب، الائتمان، الدفع الرقمي، والالتزامات القرضية—تتركز بشكل شبه حصري داخل شريحة رسمية ضيقة: موظفو القطاع العام، الأكاديميون، المهنيون، والعاملون في المؤسسات.

تشكل هذه الشريحة النواة الرأسمالية البشرية المؤسسية في غزة. وعلى الرغم من محدودية حجمها العددي، فإن دورها في الحفاظ على التعليم، والصحة، والاستمرارية الإدارية، والمعايير المهنية، والتماسك الاجتماعي يفوق وزنها العددي بكثير.

غير أن ارتباطها الرسمي جعلها أكثر الفئات تعرّضًا للتشديد النقدي. فقد انهارت دخولها الحقيقية إلى مستويات متدنية جدًا، في ظل تقلص الدخل النقدي وارتفاع الأسعار، بينما استمرت البنوك في اقتطاع أقساط القروض وكأن الظروف الاقتصادية لم تتغير.

وهكذا، لا تتوزع الضغوط النقدية نزولًا، بل تتركز صعودًا، معاقِبة الفئات التي لا تزال مرئية للنظام المصرفي، ما يحوّل السياسات التقنية إلى أدوات ذات أثر اجتماعي انتقائي.

شح السيولة ومسار سياسة “صفر كاش Zero Cash Strategy

ينبغي فهم هذه الديناميكيات ضمن مسار سياساتي إسرائيلي أوسع يهدف إلى تقييد تداول النقد، وتدفقات رأس المال، وقنوات التحويلات والمساعدات الإنسانية. ففي غزة تحديدًا، أدى منع إدخال أوراق نقدية جديدة إلى شحٍّ مزمن في السيولة، حوّل “الكاش” ذاته إلى سلعة نادرة.

وبينما تُبرَّر هذه السياسات باعتبارات أمنية، فإن أثرها الفعلي هو تقييد قدرة المجتمع بأكمله على التبادل، وحفظ القيمة، وتلقّي الدعم. وقد أدى ذلك إلى نشوء سوق وساطة نقدية تُفرض فيها عمولات مرتفعة، تمثل ضريبة رجعية تثقل كاهل أصحاب الرواتب والأسر المعتمدة على المساعدات.

وتتفاعل مبادرات سلطة النقد الفلسطينية الرامية إلى تقليل استخدام الكاش—المقدَّمة بوصفها تحديثًا ماليًا—مع هذا الواقع على نحو قد يعزز الأزمة، في ظل غياب السيادة النقدية، وضعف البنية الرقمية، وانعدام آليات حماية الدخل.

تدمير البنية التحتية التجارية والاستيلاء على قنوات التبادل

لا يفسّر الضغط المالي وحده حجم الخنق الاقتصادي. فقد كان اقتصاد غزة تاريخيًا شديد الاعتماد على الاستيراد لتأمين السلع الاستهلاكية ومدخلات الإنتاج. وأدى تدمير البنية التحتية التجارية—من مخازن وأسواق ومرافق تخزين—إلى القضاء على الذاكرة السوقية وسلاسل التوريد وآليات التسعير التنافسية.

غادر التجار التاريخيون ذوو رأس المال السمعة والقدرة على ضبط الأسعار، وحلّ محلهم عدد محدود من التجار المسموح لهم بإدخال كميات محدودة من السلع، غالبًا ذات طابع كمالي، ما أدى إلى حلقة مغلقة من امتصاص السيولة ورفع الأسعار.

التشظي السياسي وغياب الإطار المؤسسي الحامي

تتفاقم هذه الضغوط بفعل غياب إطار سياسي ومؤسسي قادر على احتضان الصفوة المهنية وحمايتها وتفعيلها. وقد أُفرغت المؤسسات التعليمية والمهنية من مضمونها أو تعطلت، دون توفير آليات للاندماج عن بُعد أو تفعيل دور الشتات.

ولا يعكس ذلك إخفاقًا فرديًا، بل عجزًا بنيويًا في النظام السياسي الفلسطيني عن إدراك هذه الفئة بوصفها أصلًا استراتيجيًا.

دلالات سياساتية: تهجير بوسائل غير عسكرية

تشكل هذه العوامل مجتمعة كماشة مزدوجة تدفع الصفوة المهنية إلى الخروج بوصفه استراتيجية بقاء عقلانية. وهذا ليس تهجيرًا بالقوة المباشرة، بل استنزافًا انتقائيًا يحقق نتائج لا تقل خطورة عن العنف العسكري.

وأي إطار جاد لما بعد الحرب يجب أن يتعامل مع وقف آليات استنزاف الصفوة المهنية، لا الاكتفاء بإعادة بناء البنية التحتية. من دون ذلك، ستخرج غزة من الحرب لا مدمّرة فحسب، بل مُفرَّغة بنيويًا من أهم مواردها الاجتماعية.

المصدر : خاص-زوايا

مواضيع ذات صلة

atyaf logo