منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير 2026، سارعت أبرز مراكز الأبحاث الاستراتيجية الإسرائيلية إلى رسم ملامح المشهد وتحديد متغيراته. ويستند هذا التقدير إلى تحليل مواقف سبعة مراكز بحثية إسرائيلية رئيسية يقودها في غالبيتها ضباط سابقون في شعبة الاستخبارات العسكرية ("أمان") ومجلس الأمن القومي الإسرائيلي، مما يمنح توجهاتها ثقلاً استراتيجياً يتجاوز الطرح الأكاديمي ليقترب من دوائر صنع القرار.
أهداف الحرب المُعلنة
تتقاطع تقديرات معهد دراسات الأمن القومي ومعهد القدس للاستراتيجيا والأمن في توصيف الحرب بأنها مواجهة إقليمية متعددة الجبهات لا تقتصر على الصراع الثنائي مع إيران، بل تمتد لتشمل لبنان والخليج وسوريا والأردن، وتنعكس على أسواق الطاقة العالمية.
وتكشف هذه المراكز عن تحول لافت في الأهداف المُعلنة؛ إذ انتقل الخطاب السياسي من "خلق ظروف إسقاط النظام" إلى "تقليص القدرات الصاروخية ومنع التسليح النووي"، وهو تحول يعكس - وفق معهد القدس - واقعية أكبر في تقدير ما يمكن تحقيقه عسكرياً على المدى المنظور.
تحليل وتفكير
أ) الموقف الأمريكي: معادلة صعبة
يُجمع معهد دراسات الأمن القومي ومؤسسة مايند إسرائيل على أن واشنطن تواجه توتراً حاداً بين:
- تحقيق إنجاز عسكري سريع قابل للتسويق الداخلي
- تجنب الانزلاق في مستنقع حرب طويلة ذات كلفة اقتصادية وسياسية باهظة
ويحدد معهد دراسات الأمن القومي ثلاث مسارات محتملة للقرار الأمريكي:
- إعلان إنجاز عسكري وتجميد القتال
- استخدام الضغط العسكري ورقةً للتسوية الدبلوماسية
- التصعيد الإقليمي الواسع في حال تعرضت مصالح أمريكية لضربات نوعية
ب) إسقاط النظام: بين الطموح والواقعية
ينقسم المشهد الإسرائيلي بحدة حول هذه المسألة:
المؤيدون للهدف : يدعو معهد مسغاف بقيادة مئير بن شبات، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، إلى استثمار الحرب فرصةً تاريخية لإسقاط النظام عبر استمرار الزخم الهجومي، وتعطيل عملية عمل خليفة للمرشد، واستهداف البنية القمعية للحرس الثوري، ودعم الانشقاقات الداخلية.
المشككون في الجدوى: في المقابل، يرى البروفسور مئير ليتباك من جامعة تل أبيب صراحةً: "القصف وحده لا يُسقط نظاماً، ولا توجد سابقة تاريخية تثبت ذلك". ويستحضر البروفسور بيني ميلر من جامعة حيفا تجربة العراق 2003 نموذجاً تحذيرياً، فيما تُنبه الدكتورة كرميلا لوتمار إلى أن الأنظمة المفروضة خارجياً تفتقر إلى الشرعية الداخلية اللازمة للاستدامة.
ج) دول الخليج: من التحوط إلى إعادة الحسابات
يُسجل معهد متفيم ومعهد مسغاف تحولاً نوعياً في المشهد الخليجي؛ إذ أثبتت الهجمات الإيرانية التي طالت السعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين وسلطنة عمان، أن سياسة "التحوط الاستراتيجي" التي انتهجتها هذه الدول لعقد كامل لم توفر الحماية المأمولة. وترى الباحثة نوعا لازيمي أن هذا النهج أضعف الردع بدلاً من تعزيزه، مما يدفع دول الخليج اليوم نحو إعادة تقييم شاملة لمنظومتها الأمنية.
وتُقدر هذه المراكز أن الهجمات الإيرانية على الخليج حققت لطهران هدفاً مزدوجاً: توجيه رسالة ضغط لواشنطن عبر حلفائها، وإثبات أن أي دولة تدعم الحرب ستصبح هدفاً مباشراً.
د) حزب الله: الالتزام المحسوب
يرصد كل من معهد متفيم والمركز الأورشاليمي نمطاً لافتاً في سلوك حزب الله؛ إذ يصف إيتان يشاي دخوله المواجهة بأنه جاء "بعد تردد واضح" وبصورة محدودة، في محاولة للموازنة بين التزامه تجاه إيران وتجنب حرب شاملة تستنزف قدراته المُنهكة أصلاً. ويُضاف إلى ذلك عامل استثنائي: قرار الحكومة اللبنانية حظر النشاط العسكري للحزب وقصره على العمل السياسي، وهو خطوة غير مسبوقة تعكس تنامي المعارضة له حتى داخل البيئة الشيعية.
هـ) ملف الطاقة: الورقة التي تنقلب
تُحذر مؤسسة مايند إسرائيل من أن مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب خُمس النفط العالمي يومياً إضافة إلى صادرات الغاز القطري، بات يتحول من ورقة ضغط على طهران إلى عبء استراتيجي على واشنطن ذاتها، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة إلى مستويات لم تُسجل منذ 2022 والتداعيات التضخمية المتصاعدة.
المشترك في التقديرات الإسرائيلية
تتقاطع جميع المراكز المُستعرضة في ستة توجهات جوهرية:
- إضعاف إيران وليس بالضرورة إسقاطها هو الهدف الأمثل والأكثر واقعية
- الحرب لن تكون قصيرة نظراً لمتانة البنية المؤسسية والأمنية الإيرانية
- الطابع الإقليمي متعدد الجبهات يجعل مسارها رهيناً بمواقف فاعلين متعددين
- القرار الأمريكي هو المتغير الحاسم في تحديد نقطة التوقف
- إسقاط النظام احتمال غير مضمون يعتمد أساساً على عوامل داخلية إيرانية
- الحرب قد تُعيد رسم التوازنات الإقليمية وتفتح أفقاً لتحالفات جديدة
خلاصات
أولاً: تكشف التقديرات الإسرائيلية عن فجوة استراتيجية حقيقية بين الطموح الإسرائيلي الرامي إلى تغيير النظام والأجندة الأمريكية الأكثر براغماتية، وهي فجوة قد تكون العامل الأكثر تأثيراً في تحديد مآلات الحرب.
ثانياً: المعطيات المتوفرة تُشير إلى أن إيران لم تنهر بنيوياً رغم ضخامة الضربات، مما يُرجح إطالة أمد الحرب وتصاعد ضغوط الرأي العام الأمريكي على الإدارة.
ثالثاً: دول الخليج تقف أمام لحظة مفصلية في إعادة تعريف منظومتها الأمنية، وثمة مؤشرات على أن الهجمات الإيرانية عليها ستدفعها نحو ارتباط أوثق بالمنظومة الأمنية الأمريكية الإسرائيلية.
رابعاً: السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور هو تسوية تفاوضية من موقع القوة لا الاستسلام الإيراني الكامل ولا إسقاط النظام، وذلك نتيجة التشابك بين الضغوط الداخلية الأمريكية وارتفاع أسعار الطاقة وصمود الدولة الإيرانية.
المصادر
معهد دراسات الأمن القومي، جامعة تل أبيب
معهد القدس للاستراتيجيا والأمن
مؤسسة مايند إسرائيل
معهد مسغاف للأمن القومي
المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية (متفيم)
المركز الأورشاليمي للخارجية والأمن
