سيادة الرئيس محمود عباس، حفظكم الله،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
أكتب إليكم هذه الرسالة في لحظة تاريخية استثنائية تمر بها القضية الفلسطينية؛ لحظة تتقاطع فيها تحولات إقليمية عميقة مع تغيرات متسارعة في طبيعة المشروع الإسرائيلي نفسه. لم يعد ما نشهده مجرد جولات متكررة من الصراع، بل انتقالاً تدريجياً إلى مرحلة جديدة تسعى فيها إسرائيل إلى تثبيت واقع سياسي وجغرافي دائم يجعل إنهاء الاحتلال أمراً أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
إن صعود التيارات القومية والدينية الأكثر تطرفاً داخل إسرائيل لم يعد ظاهرة عابرة في الحياة السياسية الإسرائيلية، بل أصبح اتجاهاً بنيوياً يعيد تعريف طبيعة الدولة وسياساتها تجاه الفلسطينيين. فالتوسع الاستيطاني يتسارع، ومشاريع الضم الزاحف في الضفة الغربية تتقدم، والقدس تتعرض لعملية تغيير منهجية في هويتها وديمغرافيتها، بينما يعيش قطاع غزة تحت حصار طويل يهدد بتحويله إلى أزمة إنسانية دائمة. في هذا السياق، تبدو القضية الفلسطينية وكأنها تدخل مرحلة جديدة من الصراع، حيث لم تعد إسرائيل تكتفي بإدارة الصراع، بل تسعى إلى حسمه تدريجياً عبر فرض الوقائع على الأرض.
سيادة الرئيس، إن أخطر ما في هذه اللحظة التاريخية ليس فقط ما تفعله إسرائيل، بل احتمال أن تستمر السياسة الفلسطينية في العمل وفق أدوات وصيغ تشكلت في زمن مختلف تماماً عن زمننا الحالي. لقد بُنيت الاستراتيجية الفلسطينية خلال العقود الماضية على ركيزتين أساسيتين: المسار التفاوضي، والرعاية الدولية للعملية السياسية. لكن التجربة الطويلة أظهرت أن ميزان القوى المختل، إلى جانب التحولات العميقة داخل إسرائيل، جعلا هذا المسار غير قادر على تحقيق الحد الأدنى من تطلعات الشعب الفلسطيني. وإذا كان من الطبيعي أن تمر المشاريع الوطنية بمراحل من التعثر، فإن الخطأ الحقيقي يكمن في الاستمرار في النهج ذاته رغم تغير الظروف جذرياً.
وكما نشهد تحولات عميقة في المجتمع الإسرائيلي، فإن المجتمع الفلسطيني ذاته يشهد تحولات كبرى لا تقل أهمية، فهناك تغير في البنى الديموغرافية والاجتماعية، وبروز أجيال جديدة لم تعايش نكبة 1948 ولا نكسة 1967، وتتشكل وعيها في ظل احتلال يومي وجدار فصل واستيطان متواصل، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي فتحت آفاقاً جديدة للوعي والتواصل مع العالم، وخلقت فضاءات للتعبير خارج الأطر التقليدية. هناك أيضاً تصاعد لدور المرأة والشباب في الحراك المجتمعي، وتنامي لتيارات فكرية وثقافية جديدة تعيد إنتاج الخطاب الوطني بأساليب مختلفة. هذه التحولات المجتمعية العميقة تفرض نفسها على المشهد السياسي، وتستدعي أدوات جديدة للتنظيم والتعبير والسياسة.
إن الانتقال إلى مستقبل أكثر إشراقاً يتطلب شجاعة سياسية حقيقية، تبدأ بمراجعة نقدية صريحة للتجربة السياسية الفلسطينية خلال العقود الماضية. وهذه المراجعة لا يمكن أن تكون شكلية، بل ينبغي أن تفتح الباب أمام تحولات عميقة في بنية النظام السياسي الفلسطيني واستراتيجيته الوطنية. فأول هذه التحولات يجب أن يكون إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية، فالانقسام الداخلي الذي استمر سنوات طويلة لم يضعف فقط قدرة الفلسطينيين على مواجهة الاحتلال، بل أضعف أيضاً ثقة الشعب بمؤسساته السياسية، ولا يمكن لأي مشروع وطني أن يستعيد قوته دون إنهاء هذا الانقسام وإعادة بناء مؤسسات تمثيلية جامعة تعكس إرادة الشعب الفلسطيني بكل مكوناته.
كما أن تجديد الشرعية السياسية عبر آليات ديمقراطية واضحة يعيد الحيوية للنظام السياسي الفلسطيني، فالقوة الحقيقية لأي قيادة وطنية تنبع من ثقة شعبها بها، ومن قدرتها على تجديد هذه الثقة عبر المشاركة السياسية والتمثيل الحقيقي. وهذا يستدعي بالضرورة توسيع الحياة الديمقراطية في كل مفاصل المجتمع الفلسطيني، وتفعيل دور السلطة القضائية المستقلة كضمانة للحقوق والحريات، وتمكين السلطة الرابعة - الإعلام الحر والمسؤول - من القيام بدورها في المراقبة والمحاسبة وطرح القضايا الوطنية للنقاش العام، فالمجتمع الذي تكتمل فيه أركان الديمقراطية يكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
كذلك فإن تجديد القوى السياسية والأحزاب والنقابات بات ضرورة حتمية، فكثير من هذه الأطر لا تزال تعمل بآليات وخطابات تشكلت في سياقات تاريخية مختلفة، ولم تعد تواكب التحولات المتسارعة في المجتمع الفلسطيني ولا معطيات المستقبل. نحن بحاجة إلى أحزاب سياسية قادرة على استقطاب الشباب والنساء، ونقابات مهنية تعبر عن هموم المواطنين الحقيقية، وقوى مجتمع مدني فاعلة تقدم رؤى جديدة وتشكل رافعة للعمل الوطني. إن تجديد هذه الأطر ليس ترفاً سياسياً، بل هو شرط أساسي لاستعادة الثقة بين الشعب ومؤسساته، ولضمان قدرة المشروع الوطني على الاستمرار والتكيف مع المتغيرات.
كما أن إعادة تعريف أدوات النضال السياسي الفلسطيني تمثل أولوية كبرى، ففي عالم تتزايد فيه أهمية القانون الدولي والرأي العام العالمي، يمكن للفلسطينيين أن يعززوا موقعهم عبر توسيع استخدام الأدوات القانونية والدبلوماسية، والعمل على تحويل سياسات الاحتلال إلى قضية مساءلة دولية مستمرة.
أما بخصوص فلسطينيي الشتات، فإن إعادة دمجهم ضمن المشروع الوطني الفلسطيني يمثل أولوية قصوى، فهؤلاء لا يمثلون مجرد جاليات بعيدة عن الوطن، بل هم الجزء الأكبر من الشعب الفلسطيني، يحملون همومه وطموحاته، ويمتلكون طاقات سياسية واقتصادية وثقافية هائلة يمكن أن تشكل رافعة حقيقية لإعادة إحياء القضية الفلسطينية على المستوى العالمي. فمنذ حرب 1948، يعيش أكثر من نصف الشعب الفلسطيني في الشتات، في مخيمات اللجوء المنتشرة في الدول العربية، وفي جاليات مهاجرة في أوروبا والأميركيتين وأستراليا. هؤلاء يحملون مفاتيح العودة ويتناقلون حكاية فلسطين جيلاً بعد جيل. إن إشراكهم في مؤسسات منظمة التحرير، والاستفادة من خبراتهم المهنية والأكاديمية، وتوظيف مواقع نفوذهم في المجتمعات التي يعيشون فيها لصالح القضية الفلسطينية، كلها أدوات غير مستثمرة بالشكل الكافي. كما أن فلسطينيي الشتات يمكن أن يشكلوا قوة ضغط دبلوماسية واقتصادية هائلة، خاصة أولئك الموجودين في دول مؤثرة مثل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، حيث يمكنهم التأثير في صناع القرار والإعلام والرأي العام.
كما أن بناء استراتيجية صمود طويلة الأمد داخل المجتمع الفلسطيني نفسه يجب أن يصبح أولوية وطنية، لأن معركة البقاء على الأرض ليست معركة سياسية فقط، بل هي أيضاً معركة اجتماعية واقتصادية وثقافية.
سيادة الرئيس، إن قراءة الاتجاهات الحالية تقود إلى استنتاج واضح: السنوات العشر أو العشرين القادمة قد تكون حاسمة في تحديد مصير القضية الفلسطينية. ويمكننا استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية.
الأول هو استمرار الوضع الراهن، حيث يؤدي الجمود السياسي إلى توسع استيطاني غير مسبوق يلتهم ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، مع إكمال مشروع ضم مناطق "ج" بالكامل تدريجياً، وتحويل الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة تحت سيطرة أمنية إسرائيلية كاملة، مما ينهي أي احتمال لدولة متصلة جغرافياً. كما قد يشهد هذا السيناريو تفكيكاً تدريجياً للسلطة الفلسطينية عبر تجفيف مواردها المالية والسياسية، أو تحويلها إلى مجرد جهاز إداري أمني يخدم الاحتلال، مع تثبيت واقع الفصل الكامل بين الضفة وغزة، وتحول غزة إلى "محمية إنسانية" دولية تحت إدارة مصرية أو أممية، منفصلة نهائياً عن المشروع الوطني. هذا السيناريو لن يعني نهاية الصراع، بل على العكس، قد يفتح الباب أمام مرحلة طويلة من عدم الاستقرار والصراع المفتوح، لأن شعباً كاملاً لا يمكن أن يقبل إلى الأبد العيش في ظل نظام يحرمه من حقوقه السياسية والوطنية.
أما السيناريو الثاني فهو الصدمة الكبرى، حيث تؤدي تراكمات الإحباط وانهيار الأفق السياسي إلى انتفاضة شعبية شاملة، ربما تكون مختلفة في أدواتها عن الانتفاضتين السابقتين، مع تصاعد المقاومة الشعبية والمسلحة في آن. وقد يصاحب ذلك تدويل الأزمة عبر تصعيد قانوني في المحاكم الدولية، وخاصة محكمة الجنايات الدولية، مما قد يؤدي إلى إصدار مذكرات اعتقال بحق قادة إسرائيليين. كما قد نشهد دخول قوى إقليمية على خط المواجهة في ظل تصاعد التوتر مع إيران وحلفائها، مما يحول الصراع إلى حرب إقليمية مفتوحة، مع احتمال فرض حلول دولية من مجلس الأمن، قد تكون أقل من الطموحات الفلسطينية ولكنها أكثر مما هو قائم. هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة، لكنه قد يخلق أيضاً فرصة لتغيير قواعد اللعبة، خاصة إذا تمكن الفلسطينيون من تقديم أنفسهم كطرف يسعى لحل عادل وليس كطرف في صراع مفتوح.
أما السيناريو الثالث، وهو الأمل الممكن، فيقوم على قدرة الفلسطينيين على إعادة تموضعهم الاستراتيجي عبر قرارات شجاعة. على المستوى الفلسطيني الداخلي، يتطلب ذلك إنهاء الانقسام عبر انتخابات شاملة تنتج مجلساً وطنياً موحداً يمثل الكل الفلسطيني، وتطوير منظمة التحرير لتصبح إطاراً جامعاً حقيقياً مع إعادة تفعيل مؤسساتها، وبناء استراتيجية وطنية متكاملة تجمع بين النضال السياسي والقانوني والشعبي. كما يتطلب إصلاحاً جذرياً للقوى السياسية والأحزاب والنقابات بما يتناسب مع معطيات المستقبل، وتوسيع الحياة الديمقراطية وتفعيل السلطة القضائية المستقلة والسلطة الرابعة لضمان المحاسبة والشفافية.
وعلى المستوى الدولي، يمكن تحويل القضية الفلسطينية من "نزاع حدودي" إلى "قضية حقوق إنسان وعدالة دولية"، بما يتناسب مع تحولات الخطاب العالمي، وبناء تحالفات جديدة مع قوى صاعدة مثل الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وروسيا في إطار عالم متعدد الأقطاب، مع توظيف أدوات القانون الدولي بشكل منهجي، والتركيز على قضايا التمييز العنصري التي تحظى بإجماع دولي أوسع.
أما على المستوى المجتمعي، فيمكن بناء استراتيجية صمود وطنية تركز على تعزيز الوجود الفلسطيني في المناطق المهددة بالمصادرة، وتطوير قطاعات اقتصادية وطنية تقلل الاعتماد على إسرائيل وتخلق حقائق جديدة على الأرض، مع استثمار طاقات الشتات الفلسطيني في الضغط على الدول المضيفة وحكوماتها، والاستفادة من التحولات المجتمعية الفلسطينية لصالح تجديد الخطاب والأدوات السياسية.
سيادة الرئيس، إن اللحظة التي نعيشها اليوم قد تكون واحدة من تلك اللحظات النادرة التي تفرض على القيادات التاريخية اتخاذ قرارات مصيرية. والتاريخ لا يتذكر فقط من أداروا الأزمات، بل يتذكر أولئك الذين امتلكوا الشجاعة لإعادة تعريف الطريق عندما بدا أن الطريق القديم قد وصل إلى نهايته. إن الشعب الفلسطيني، الذي صمد لعقود طويلة في مواجهة واحدة من أطول قضايا الاحتلال في العصر الحديث، يستحق اليوم رؤية سياسية جديدة تواكب حجم التحديات وتفتح أمامه أفقاً مختلفاً. نحن ندرك حجم الضغوط والتعقيدات التي تواجهها القيادة الفلسطينية، وندرك أيضاً أن الخيارات المتاحة ليست سهلة. لكن الأكيد أن الاستمرار في النهج ذاته وسط عالم يتغير جذرياً هو أخطر الخيارات على الإطلاق. إن التاريخ يمنح الأمم فرصاً قد لا تتكرر، والشعوب التي تمتلك القدرة على تجديد مشروعها الوطني هي وحدها القادرة على تحويل أكثر اللحظات صعوبة إلى نقطة انطلاق جديدة.
والسؤال الذي سيبقى مطروحاً أمام هذه اللحظة التاريخية هو بسيط في صياغته، عميق في معناه: هل سيبقى الفلسطينيون أسرى الاستراتيجيات القديمة، أم أنهم سيكتبون فصلاً جديداً في تاريخ مشروعهم الوطني؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لم تعد تحتمل التأجيل.
والله ولي التوفيق،،،
