تدخل العلاقات المصرية–الإسرائيلية مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها تعقيدات موروثة منذ توقيع معاهدة السلام عام 1979 مع متغيرات إقليمية متسارعة، من أبرزها الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023، وتصاعد اليمين الإسرائيلي، وتراجع فرص التسوية السياسية.
المعادلة الحاكمة حتى الآن تقوم على:
- سلام رسمي مستمر
- برود شعبي دائم وانعدام ثقة متبادل.
- وساطة مصرية فاعلة في الملف الفلسطيني.
- ضمان أمريكي حاضر لكنه متذبذب الفاعلية.
إلا أن هذه المعادلة تتعرض لاختبارات غير مسبوقة قد تدفع إلى إعادة ضبط بعض قواعدها، خصوصًا في البعد الأمني بسيناء والحدود مع غزة.
أولا: المحددات الاستراتيجية للموقف المصري
- التمسك بالمعاهدة كخيار استراتيجي لا تكتيكي
ترى القاهرة أن معاهدة السلام تمثل ركيزة للاستقرار الإقليمي، وتجنب المنطقة حربًا مفتوحة، كما تمنح مصر هامش حركة سياسي ودبلوماسي واسع.
لكن هذا التمسك لا يعني الجمود؛ إذ تحتفظ مصر بحق إعادة تفسير أو تعديل بعض الترتيبات الأمنية إذا مست أمنها القومي مباشرة.
2- أولوية الأمن القومي المصري
يتصدر ملف سيناء ومعبر رفح ومحور فيلادلفيا الحسابات الأمنية.
أي سيناريو تهجير قسري للفلسطينيين نحو سيناء يُعد تهديدًا مباشرًا للسيادة المصرية، ويُعامل باعتباره تجاوزًا لخط أحمر استراتيجي.
3- مركزية القضية الفلسطينية
القاهرة تعتبر أن استقرارها الإقليمي مرتبط بحل سياسي عادل يفضي إلى دولة فلسطينية.
لذلك توازن بين:
- دعم السلطة الفلسطينية سياسيًا ومؤسسيًا.
- إدارة علاقة واقعية مع حركة حماس لضبط الحدود ومنع الانفلات الأمني.
ثانياً: المتغيرات الضاغطة
أ) تصاعد اليمين الإسرائيلي
تنامي التيارات الدينية والقومية المتطرفة في إسرائيل يعمق مناخ الشك المصري، ويزيد احتمالات سياسات أحادية مثل:
- توسيع الاستيطان في الضفة الغربية.
- تقويض السلطة الفلسطينية ماليًا وأمنيًا.
- طرح سيناريوهات “حلول إقليمية” على حساب الجوار.
ب) الحرب على غزة وتداعياتها
عملية 7 أكتوبر وما تلاها من حرب واسعة أدخلت العلاقات في مرحلة اختبار مباشر، خصوصًا في ملفات:
- إدارة المعابر.
- الوساطة في الهدن.
- رفض التهجير القسري.
- التحركات القانونية الدولية ضد إسرائيل.
ج) البعد الأميركي
الولايات المتحدة تظل الضامن التاريخي للمعاهدة، لكن تأثيرها الفعلي على قرارات الحكومة الإسرائيلية محدود في ظل الحسابات الداخلية الأميركية.
هذا يفرض على مصر:
- مضاعفة الجهد الدبلوماسي في واشنطن.
- تنويع هوامش التحرك الإقليمي والدولي.
ثالثًا: السيناريوهات المحتملة
🔹 السيناريو الأول: استمرار الوضع القائم (الأرجح على المدى القريب)
- بقاء السلام الرسمي دون تصعيد مباشر.
- استمرار الوساطة المصرية في غزة.
- احتواء الخلافات عبر قنوات أمنية مغلقة.
الترجيح: مرتفع، طالما لم يحدث اختراق كبير في ملف التهجير أو محور فيلادلفيا.
🔹 السيناريو الثاني: إعادة ضبط أمني محدود
- تعديل ترتيبات عسكرية في بعض مناطق سيناء.
- تعزيز انتشار أمني مصري دائم.
- تنسيق اضطراري أكثر صرامة بشأن الحدود.
الترجيح: متوسط، في حال استمرت الحرب أو تكررت محاولات تغيير الوضع الحدودي.
🔹 السيناريو الثالث: توتر سياسي حاد دون كسر المعاهدة
- خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي.
- تصعيد خطاب رسمي متبادل.
- ضغط مصري–عربي أوسع في المحافل الدولية.
الترجيح: قائم إذا استقرت العمليات الإسرائيلية في رفح أو فُرض أمر واقع حدودي.
🔹 السيناريو الرابع: أزمة استراتيجية كبرى (الأضعف احتمالًا)
- انهيار التنسيق الأمني.
- تجميد فعلي للمعاهدة دون إعلان رسمي.
الترجيح: منخفض، لكنه يظل احتمالًا في حال تهجير قسري واسع أو صدام عسكري مباشر.
رابعاً: التقدير النهائي
العلاقات المصرية–الإسرائيلية تقف عند نقطة توازن دقيقة:
- مصر لا ترغب في كسر معادلة السلام.
- لكنها في الوقت ذاته لن تقبل بتحويلها إلى غطاء لسياسات تمس سيادتها أو تصفي القضية الفلسطينية.
المعادلة المصرية يمكن تلخيصها في ثلاث ركائز:
- السلام خيار استراتيجي لا تنازل عنه.
- سيناء خط أحمر مطلق.
- الدولة الفلسطينية مصلحة مصرية قبل أن تكون تضامنًا عربيًا.
في ضوء ذلك، يُرجّح استمرار السلام الرسمي مع تصاعد حذر في أدوات الردع والضغط السياسي، ما لم يحدث تطور نوعي يفرض على القاهرة الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة إعادة تعريف قواعد الاشتباك.
