ما هي جبهة تل أبيب الثامنة؟

مقاطعة الاحتلال تكبر يوما بعد
مقاطعة الاحتلال تكبر يوما بعد

في تحول لافت في الخطاب الأمني والاستراتيجي الإسرائيلي، برز مصطلح "الجبهة الثامنة" كتعبير عن إدراك متأخر لأزمة شرعية دولية تواجهها دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية حرب الإبادة على قطاع غزة.

هذا المصطلح الذي طرحه سغيف أسولين، المسؤول الرفيع السابق في جهاز "الموساد" والباحث الأول حالياً في "المركز الأورشليمي لشؤون الخارجية والأمن"، يعكس تحولاً جوهرياً في فهم النخب الأمنية الإسرائيلية لطبيعة الصراع، حيث لم يعد محصوراً في الميدان العسكري، بل امتد ليشمل ساحات الوعي والرأي العام والشرعية الأخلاقية على المستوى الدولي.

"التهديد الوجودي"

يمثل طرح أسولين لمفهوم "الجبهة الثامنة" اعترافاً ضمنياً بفشل إسرائيل في إدارة معركة السردية الدولية، حيث يشير إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عاملت هذه الساحة لعقود كـ"ملحق" أو "مشكلة دعاية"، وليس كساحة قتال حقيقية. وفي اليوم التالي لهجوم 7 أكتوبر 2023، اكتشفت إسرائيل وجود منظومة دولية جاهزة ومنسقة لنزع الشرعية عنها، تجلت في المظاهرات المنظمة في الجامعات الأميركية والعواصم الغربية، وفي "الصمت المدوي" للمؤسسات الأكاديمية والثقافية.

يؤكد أسولين أن الخطأ الأساسي يكمن في التعريف نفسه، فاستخدام مصطلح "دعاية" يضع إسرائيل في موقع دفاعي ضعيف، "أشبه بالاعتذار"، بينما يتطلب الأمر التعامل مع هذه الساحة كـ"تهديد وجودي" يستدعي استجابة استراتيجية شاملة.

أبعاد "الجبهة الثامنة"

وفق تصور أسولين، تشمل "الجبهة الثامنة" ساحات متعددة تدار فيها حرب شاملة في مجال الوعي:

  • الشبكات الاجتماعية: كأدوات لتشكيل الرأي العام العالمي
  • الجامعات: كمراكز لإنتاج الخطاب النقدي لإسرائيل
  • الاقتصاد: عبر حملات المقاطعة والعقوبات
  • الدبلوماسية الناعمة: من خلال التأثير على صانعي القرار
  • المؤسسات الثقافية والإعلامية: لتشكيل السرديات المضادة

ويدعي أسولين أن هذه الحرب تُشن "ضد دولة إسرائيل، وضد الصهيونية، وضد العالم الغربي عموماً"، محاولاً توسيع نطاق الصراع من قضية فلسطينية - إسرائيلية إلى صراع حضاري بين الغرب وخصومه.

"المؤتمر الصهيوني غير اليهودي": محاكاة الخصم

في محاولة للرد على ما يراه "هزيمة كبرى" في الجبهة الثامنة، طرح أسولين مبادرة "المؤتمر الصهيوني غير اليهودي الأول"، الذي يسعى لتنظيم حلفاء إسرائيل من غير اليهود - خاصة من المسيحيين الإنجيليين والشخصيات الثقافية الأميركية - في جسم منظم يحاكي "الطريقة التي عمل فيها الطرف الآخر من حيث بناء الشبكات والمنظمات واللغة الحقوقية".

هذه المبادرة تعكس إدراكاً متأخراً بأن الدعاية التقليدية لم تعد كافية، وأن المطلوب هو "تصور، وهوية مشتركة، والتزام طويل الأمد" يستند إلى فكرة أن "إسرائيل هي خط الجبهة الأمامي للغرب".

إيران وقطر: تمويل "حرب الوعي"

يضع أسولين إيران وقطر في قلب ما يصفه بـ"الحرب الطويلة على الوعي الغربي". ويدعي أن التركيز الإسرائيلي على البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية يشكل "قصوراً يفوّت جوهر المسألة"، حيث تدير إيران، وفق زعمه، حرباً طويلة الأمد لتقويض قدرة الغرب على فهم نفسه عبر مفاهيم مثل "العدالة والقمع والكولونيالية".

أما قطر، فيصفها بأنها "لاعب مركزي" يستثمر "أموالاً طائلة في الأكاديميا والإعلام والمجتمع المدني" لتشكيل الخطاب ضد إسرائيل، وهو ما يتجلى في "اللغة المشتركة للجامعات الغربية".

تحليل الموقف

أولاً: الاعتراف بالفشل يمثل طرح مفهوم "الجبهة الثامنة" اعترافاً نادراً من مسؤول أمني إسرائيلي رفيع بفشل إسرائيل في معركة الشرعية الدولية، رغم تفوقها العسكري الواضح. هذا الاعتراف يكشف عن أزمة عميقة في السردية الإسرائيلية التي لم تعد قادرة على إقناع الرأي العام العالمي، خاصة بعد الدمار الهائل في غزة.

ثانياً: الخلط بين النقد والتهديد الوجودي محاولة تصوير الانتقادات الدولية المشروعة لسياسات إسرائيل كـ"تهديد وجودي" تعكس عجزاً عن التمييز بين النقد السياسي والأخلاقي من جهة، والعداء الوجودي من جهة أخرى. كما أن محاولة ربط الاحتجاجات الطلابية والأكاديمية بـ"مؤامرة إيرانية - قطرية" تتجاهل حقيقة أن هذه الاحتجاجات نابعة من قناعات أخلاقية وحقوقية لدى شرائح واسعة من المجتمعات الغربية.

ثالثاً: توسيع دائرة الصراع محاولة أسولين تأطير الصراع كجزء من "صراع حضاري" بين الغرب وخصومه تهدف إلى استقطاب الدعم الغربي عبر تصوير إسرائيل كـ"خط دفاع أمامي" عن القيم الغربية، متجاهلاً أن جزءاً كبيراً من النقد الدولي لإسرائيل يأتي من داخل الغرب نفسه استناداً إلى القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

رابعاً: استراتيجية المحاكاة يعكس طرح "المؤتمر الصهيوني غير اليهودي" إدراكاً إسرائيلياً بفعالية العمل المنظم طويل الأمد، لكنه يتجاهل فارقاً جوهرياً: أن الحراك المؤيد للقضية الفلسطينية ينبع من قناعات أخلاقية وحقوقية، بينما تحاول إسرائيل بناء شبكات نفوذ قائمة على المصالح والأيديولوجيا الدينية.

السيناريوهات المُحتملة

السيناريو الأول: تصعيد حرب السرديات قد تشهد المرحلة المقبلة تصعيداً في "حرب السرديات" عبر استثمار إسرائيلي ضخم في بناء شبكات نفوذ في الجامعات والإعلام والمجتمع المدني الغربي، مما قد يؤدي إلى استقطاب أكبر وتعميق الانقسامات داخل المجتمعات الغربية.

السيناريو الثاني: فشل الاستراتيجية الجديدة قد تفشل المحاولات الإسرائيلية في وقف تآكل شرعيتها الدولية، خاصة إذا استمرت السياسات التي أدت إلى هذا التراجع، حيث لا يمكن للعلاقات العامة والتأثير الإعلامي أن يحجبا الحقائق على الأرض.

السيناريو الثالث: إعادة تقييم السياسات قد يؤدي الوعي بخطورة "الجبهة الثامنة" إلى دفع بعض الأصوات الإسرائيلية لإعادة تقييم السياسات نفسها، والبحث عن حلول سياسية للصراع بدلاً من محاولة تسويق السياسات القائمة بطرق جديدة.

خلاصة

يشكل طرح مفهوم "الجبهة الثامنة" تحولاً مهماً في الخطاب الأمني الإسرائيلي، لكنه يعكس في الوقت ذاته استمراراً للنهج القائم على محاولة إدارة الأزمة بدلاً من معالجة أسبابها الجذرية. فالمشكلة الحقيقية التي تواجه إسرائيل ليست في "فشل الدعاية" أو "ضعف الاستجابة الإعلامية"، بل في السياسات نفسها التي أدت إلى تآكل شرعيتها الدولية. ومهما بلغت فعالية "حرب الوعي" التي يدعو لها أسولين، فإنها لن تستطيع طمس الحقائق على الأرض أو إسكات الأصوات الأخلاقية المتصاعدة عالمياً ضد الانتهاكات والجرائم واسعة النطاق.

المصدر : خاص-زوايا

مواضيع ذات صلة

atyaf logo