إعادة رسم خريطة التحالفات

تحول في الرياض: إيران الضعيفة شريك وإسرائيل التوسعية تهديد

هل تقود السعودي تحالف عربي - إسلامي
هل تقود السعودي تحالف عربي - إسلامي

في تحول دراماتيكي يهدد بإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، تبتعد السعودية تدريجياً عن مسار التطبيع مع إسرائيل، وتتجه نحو بناء محور إقليمي جديد يضم إيران وتركيا وباكستان، في خطوة تفرض على واشنطن إعادة حساباتها الإستراتيجية بالمنطقة.

نهاية حلم التطبيع

كانت المخاوف المشتركة من طموحات إيران للهيمنة الإقليمية قد دفعت السعودية وإسرائيل للتقارب في السنوات الأخيرة، مما أثار آمالاً في تل أبيب وواشنطن بتطبيع كامل للعلاقات بين الرياض وتل أبيب. وكان من المفترض أن يمثل هذا التطبيع تتويجاً للتطورات الإقليمية التي أعقبت عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023.

ورغم أن الرد العسكري الإسرائيلي أضعف إيران ووكلاءها في "محور المقاومة" - لا سيما حزب الله وحماس - مما خدم المصالح السعودية ظاهرياً، إلا أن التحالفات في المنطقة تتغير وفق التهديدات المتصورة والطموحات الجديدة للاعبين الرئيسيين.

تحول في الموقف السعودي

في تطور لافت، وجّه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مؤخراً انتقادات حادة للسلوك الإسرائيلي، وبدأ العمل على بناء تحالف إقليمي جديد يهدف إلى موازنة النفوذ الإسرائيلي المتنامي. ورغم أن بن سلمان يربط التطبيع رسمياً باتخاذ خطوات إسرائيلية لتعزيز إقامة دولة فلسطينية، إلا أن التحول الإستراتيجي الأوسع يبدو مدفوعاً بعوامل أعمق.

الضغوط الداخلية

على الصعيد الداخلي، يواجه ولي العهد معارضة من ثلاث جبهات رئيسية:

  • أمراء ينظرون إلى إسرائيل كمنافس وليس شريكاً
  • قيادات دينية تحمل عداءً تاريخياً لليهود
  • شريحة واسعة من الشباب السعودي تحمّل إسرائيل المسؤولية عن تداعيات أحداث أكتوبر 2023

إعادة هيكلة التحالفات

من المفارقات أن السعودية بدأت تمهد لإعادة الهيكلة الإقليمية حتى قبل أحداث أكتوبر 2023. ففي مارس من ذلك العام، أعلنت الرياض وطهران استئناف العلاقات بعد قطيعة دامت سبع سنوات، في خطوة أثبتت تماسكاً ملحوظاً.

وتجسّد هذا التقارب في زيارة وزير الدفاع السعودي إلى طهران في أبريل 2024، حيث أجرى محادثات مع كبار المسؤولين الإيرانيين، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي - في مشهد كان يُعتبر مستحيلاً قبل سنوات قليلة

التنافس مع الإمارات

في تحول دراماتيكي آخر، تشهد العلاقة السعودية - الإماراتية توتراً متزايداً. فقد شنت السعودية، التي تدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، هجمات على جماعات متمردة مدعومة من الإمارات داخل اليمن خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى نطاق أوسع، تسعى الرياض لموازنة النفوذ الإماراتي المتزايد قرب البحر الأحمر والقرن الأفريقي، عبر توسيع تحالفاتها مع مصر والصومال - في إشارة واضحة إلى أن السعودية باتت تنظر إلى كل من إسرائيل والإمارات كتهديدات أكبر من إيران.

"ناتو إسلامي"

في سياق هذا التحول الإستراتيجي، تسعى تركيا للانضمام إلى اتفاقية دفاعية وقعتها السعودية مع باكستان في سبتمبر 2024، تتضمن بنداً للدفاع المشترك يشبه المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي.

هذا التطور قد ينذر بتشكيل محور تركي - سعودي - باكستاني بهيكل دفاعي شبيه بـ"الناتو"، موجه ضمنياً ضد حكومتي إسرائيل والإمارات - في تحول جذري عن المعادلات الإقليمية السابقة.

واشنطن في مأزق

كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يأمل أن يفتح التطبيع السعودي - الإسرائيلي الباب أمام انضمام مزيد من الدول العربية إلى اتفاقيات أبراهام التي وُقعت عام 2020. وخلال العام الماضي، واصل ترامب الإشادة بمحمد بن سلمان، وقدم للرياض مساعدات عسكرية واقتصادية ضخمة.

في نوفمبر 2024، وافقت واشنطن على بيع ما يصل إلى 48 مقاتلة متطورة من طراز إف-35، إضافة إلى نحو 300 دبابة للسعودية، كما اتفق الطرفان على توسيع العلاقات التجارية وتذليل العقبات أمام الاستثمارات المتبادلة.

مقاتلات إف-35: قلق إسرائيلي متزايد

التحركات السعودية الأخيرة تفرض على واشنطن التريث وإعادة تقييم سياساتها، بما في ذلك احتمال إعادة النظر في تسليم مقاتلات إف-35، التي تتطلب موافقة الكونغرس، ولن يبدأ تنفيذها قبل سنوات.

إسرائيل قلقة أصلاً من أن يؤدي امتلاك السعودية لهذه الطائرات إلى تقويض تفوقها العسكري النوعي في المنطقة - وهي مخاوف حاولت واشنطن معالجتها باستمرار. غير أن تصاعد العداء السعودي تجاه إسرائيل يزيد هذه المخاوف حدة.

نهاية عهد وبداية آخر

باتت آمال الولايات المتحدة في تعزيز علاقاتها مع الرياض وإنجاز تطبيع سعودي - إسرائيلي تصطدم بالقيود الداخلية لولي العهد السعودي وطموحاته الإقليمية. من زاوية سعودية، فإن إيران الضعيفة اليوم تبدو أقل تهديداً من إسرائيل الطامحة للهيمنة.

التحول السعودي من محور مناهض لإيران إلى محور يضم إيران نفسه - مع تركيا وباكستان - يمثل زلزالاً إستراتيجياً في الشرق الأوسط. ومن أجل حماية مصالحها، على واشنطن إعادة تقييم المشهد الإقليمي المتغير والتعامل معه بحذر وواقعية - بعيداً عن الأوهام والآمال التي لم تعد تواكب الواقع.

المصدر: ناشونال إنترست (بتصرف)

الكاتب: لورانس ج. هاس - زميل بارز في مجلس السياسة الخارجية الأمريكية

 

المصدر : متابعة-زوايا
atyaf logo