لا تقتصر الغربة على الانتقال من وطن إلى آخر، بل تتجاوز الجغرافيا لتصبح حالة شعورية عميقة يعيشها الإنسان حين يفقد إحساسه بالانتماء. فهناك من يقيم في بلدان مستقرة وآمنة، لكنه يظل يشعر ببرودة خفية تحيط به، لا مصدرها الطقس، بل العلاقات الإنسانية والمسافات العاطفية التي تفصل بين الناس.
في الغربة، تتبدل طبيعة العلاقات الاجتماعية. تصبح أكثر تنظيمًا وأقل دفئًا، يغلب عليها الطابع الرسمي، وتفتقر إلى العفوية التي اعتادها الإنسان في وطنه. يختلط المرء بالآخرين يوميًا، لكنه نادرًا ما يشعر بأنه مفهوم على حقيقته أو مسموع دون الحاجة إلى شرح طويل.
الحنين إلى الوطن في هذا السياق لا يُعد ضعفًا أو عاطفة عابرة، بل هو ارتباط بالجذور والذاكرة. هو استدعاء لتفاصيل بسيطة شكّلت هوية الإنسان: اللغة، الأصوات، الأماكن، والوجوه التي لا تحتاج إلى تبرير المشاعر أو تفسير الصمت. الوطن هو المساحة التي يكون فيها الإنسان كما هو، دون أقنعة اجتماعية.
وتبقى فكرة الموت بعيدًا عن الوطن من أكثر الهواجس قسوة في تجربة الاغتراب. ليس الخوف من الموت ذاته، بل من أن تكون النهاية في أرض لا تعرف سيرة الإنسان، ولا تشبه تراب نشأته، ولا تحمل ذاكرته. هاجس يعكس عمق الحاجة إلى الانتماء حتى في اللحظة الأخيرة.
ورغم قسوة الغربة، يظل الوطن مفهومًا يتجاوز الحدود المرسومة على الخرائط. فهو يسكن الذاكرة، واللغة، والوجدان، ويستمر حضورُه ما دامت الروح متمسكة بجذورها. قد يبتعد الجسد، لكن الانتماء الحقيقي يبقى حيًا، يقاوم النسيان، ويمنح الإنسان قدرته على الاستمرار
