يشكّل قرار مجلس الأمن رقم 2803 (17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025) خطوة مهمة في مسار تدويل إدارة قطاع غزة، إذ ينقل الخطة الأميركية ذات البنود العشرين من مستوى المبادرة السياسية إلى إطار دولي ملزم بغطاء أممي. ورغم تبنّيه بأغلبية 13 صوتًا، فإن امتناع روسيا والصين يكشف عن توازنات دولية دقيقة، ويعكس تحفظات على طبيعة التفويض المقترح والنتائج السياسية المحتملة.
يؤسس القرار لمرحلة انتقالية متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها رهانات الولايات المتحدة، وحسابات إسرائيل، وقدرة الأطراف الفلسطينية على التكيف، ما يجعله خطوة تحمل فرصًا محدودة ومخاطر كبيرة.
أولاً: هندسة المرحلة الانتقالية
- مجلس السلام: إطار فضفاض
ينشئ القرار هيئة دولية انتقالية – مجلس السلام – بصلاحيات واسعة وحصرية في قطاع غزة حتى نهاية 2027، دون التطرق إلى الضفة الغربية أو القدس. ورغم اتساع صلاحياته (الإدارة، الاقتصاد، الأمن، المعابر، إعادة الإعمار، الإشراف على اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية)، فإن غياب تحديد تركيبته وآلية اتخاذ القرار يخلق غموضًا يسمح للولايات المتحدة بالتحكم في مخرجاته.
يبدو المجلس أقرب إلى نموذج “وصاية دولية محدودة”، لكنه يفتقر إلى الإطار القانوني الواضح الذي يحميه من الخلافات بين اللاعبين الدوليين أو يعزز شرعيته المحلية.
- القوة الدولية: إنفاذ بلا أدوات
يقترح القرار قوة متعددة الجنسيات تُعنى بمتابعة وقف النار، وتأمين الحدود، ودعم إعادة الإعمار، ونزع السلاح، وتدريب الشرطة الفلسطينية.
غير أن القوة لا تستند إلى الفصل السابع، ما يحرمها من صلاحيات إلزامية واستخدام القوة عند الضرورة. في بيئة مثل غزة – ذات كثافة سكانية عالية وتعدد فصائل مسلحة – يمثل هذا القيد خللاً جوهريًا قد يحول القوة إلى عنصر “رقابي” لا “تنفيذي”.
ثانيًا: مسار سياسي غامض
يربط القرار مستقبل غزة وعودتها إلى إدارة السلطة الفلسطينية بجملة إصلاحات عميقة، تستند إلى:
- خطة ترامب (2020)
- المبادرة السعودية–الفرنسية (2025)
ويستخدم القرار لغة مشروطة ("قد تصبح") عند الحديث عن إمكانية قيام دولة فلسطينية، ما يضع مفهوم الدولة ضمن أفق غير مضمون يعتمد على:
- إصلاحات السلطة بصورة “مُرضية”.
- تثبيت الاستقرار الأمني.
- تقدم إعادة الإعمار وفق الإشراف الدولي.
النتيجة: القرار يؤسس لمسار سياسي مُقيّد بالشروط الأمنية الإسرائيلية ورؤية واشنطن، لا لمسار تفاوضي متوازن.
ثالثًا: الموقف الإسرائيلي: طمع السيطرة
- موقف ملتبس
تُظهر الحكومة الإسرائيلية تأييدًا شكليًا للجهد الأميركي، لكنها تتجنب تبني القرار بالكامل. هذا الالتباس يعكس:
- الخشية من التدويل الزائد لإدارة القطاع
- الرفض القاطع لأي مخرجات تقود لدولة فلسطينية
- الرغبة في الحفاظ على حرية العمل العسكري
- مواقف تفصيلية حاسمة
نزع السلاح:
يمثل الشرط الإسرائيلي المركزي، مع تأكيد نتنياهو الاستعداد لاستخدام القوة لضمانه. لكن إسرائيل لم توضح آليات القياس أو التطبيق، تاركة التنفيذ للقوة الدولية التي لا تملك تفويضًا قويًا.
الدولة الفلسطينية:
تتخذ إسرائيل موقفًا رافضًا مطلقًا، مستندة إلى قرارات الكنيست وتوجهات الحكومة الحالية. القرار 2803 لا يغيّر هذا الواقع.
القوة الدولية:
ترفض إسرائيل وجود أي قوة دون “موافقة كاملة” على تركيبتها، وتعارض أي حضور تركي أو عربي، ما يهدد بتقويض تشكيل القوة أصلاً.
- انتقادات المعارضة ومراكز الأبحاث
تلتقي المعارضة مع الحكومة في رفض الدولة الفلسطينية، لكنها تحمّل نتنياهو مسؤولية تضييع إدارة الملف دوليًا. أما مراكز الأبحاث فتقدم قراءات متباينة:
- معهد دراسات الأمن القومي: يشكك في البيئة الإقليمية ويدعو لتنفيذ متدرج.
- مسغاف: يحذر من فراغ أمني لصالح حماس.
- ميتفيم: يرى القوة حلًا انتقاليًا ممكنًا.
- معهد القدس: يعتبر القرار فرصة استراتيجية رغم مخاطره السياسية.
رابعًا: التحديات والمخاطر
- غموض التنفيذ:
لا خطة عملياتية واضحة، ولا مقاييس للنجاح، ولا وضوح في نقل الصلاحيات. - ضعف القوة الدولية:
عدم تفويضها بالفصل السابع يقلّل فعاليتها ويحد من قدرتها على التعامل مع الفصائل المسلحة. - فراغ زمني محتمل:
المدى الزمني (حتى نهاية 2027) قد لا يكفي لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة من السلطة، ما ينذر بفراغ أمني. - تناقض غايات الأطراف:
اختلاف أهداف إسرائيل، والسلطة، والفصائل، والولايات المتحدة، والدول الإقليمية يجعل التوافق على التفاصيل شبه مستحيل.
خامسًا: التقدير الاستراتيجي
يبدو القرار 2803 إطارًا لإدارة الأزمة أكثر منه حلًا لها.
فالولايات المتحدة تسعى إلى فرض نموذج إدارة دولية يضمن:
- نزع السلاح
- منع عودة حماس
- إعادة الإعمار وفق رقابة دولية
- إبقاء المسار السياسي بيد واشنطن
في المقابل، تحاول إسرائيل الاستفادة من القرار دون التورط في التزامات سياسية أو التنازل عن حرية العمل الأمني. أما الأطراف الفلسطينية، فهي أقرب إلى موقع المتلقي لا الفاعل، ضمن صيغة انتقالية ذات سقف سياسي منخفض.
الخلاصة
يقدم القرار 2803 إطارًا جديدًا لتدويل إدارة قطاع غزة، لكنه يعاني من تناقضات عميقة:
- سلطة دولية واسعة دون آليات حاسمة
- قوة استقرار بلا تفويض قسري
- مسار سياسي مشروط ومبهم
- تحفّظات إسرائيلية جوهرية
- عدم قبول فلسطيني فصائلي
- غياب بيئة إقليمية حاضنة
نجاح القرار يتطلب:
- بلورة آليات تنفيذ حقيقية
- ضمانات دولية واضحة
- توافقًا إسرائيليًا–دوليًا حول القوة
- إصلاحًا فلسطينيًا عميقًا
- قبولًا فصائليًا بترتيبات انتقالية صارمة
وفي ظل التعقيد القائم، يبقى القرار مفتوحًا على ثلاثة سيناريوهات: نجاح محدود، تعطّل تدريجي، أو فشل شامل يعيد الأزمة إلى نقطة الصفر.
