مهو أنت من غزة مش حتفرق معك كثير

مواطن امام خيمته في مخيمات النزوح
مواطن امام خيمته في مخيمات النزوح

تكثر في هذه الأيام انعقاد الندوات التحليلية عن غزة والإنسان فيها، وتدور المواضيع حول الأرض والتغيير الجغرافي والجيوسياسي والزراعي والحياتي ومواضيع شتى تغطي تقريبًا كل مناحي الحياة والموت، هذا يتم في ظل الإبادة المستمرة أي أنهم يبحثون تداعيات مجزرة ما زالت قائمة وهذا فيه تخطي كبير وواضح ويسمونه تسمية علمية جميلة تشعر وأنت تقرأها بأنك تقرأ لفطاحل التوقعات وراسمي السياسات الدولية وهذه التسمية هي (اليوم التالي لوقف إطلاق النار في غزة) هذه جملة استراتيجية رائعة تنم عن حرص كبير تجاه إعادة الإعمار التي تبدأ بالإنسان والحيوان وتنتهي بشط البحر، لكنها جملة ينز الدم من بين حروفها وهي بالمناسبة جُملة أمريكية، تغافل صانعها تمامًا عن الواقع المعاش حاليًا في غزة وتقصد تخطيه بكل ما فيه من مأساة والذي خلف ما يزيد عن مئة ألف ما بين قتيل وجريح ومفقود، بالإضافة إلى تجاهل ووزن كتل اللحم التي تتحرك الآن بين الخيام بلا أي وجهة أو منطق في سبيل الحصول على الماء والحطب، مثل الإنسان البدائي بل أقل منه لأن هذه الأشياء غير متوفرة أصلا لتبحث عنها. هذا الواقع تمامًا ما عبر عنه المثل الشعبي "ناس في هناها، وناس في عزاها" أنت أيها الغزي المطلوب منك أن تموت، تتقطع، تجوع، تكون نموذج رائع لأي دراسة تحليلية تجريبية وليس غير ذلك شيئًا.

لم أكن أرغب بكتابة هذه المقالة، وها أنا أعصر على نفسي ألف لمونة كي لا يَفلت اللسان وينطق بالحقيقة التي لا يمكن لنا بعد السابع من أكتوبر إلا أن نُعبر عنها بغضب وشتائم كثيرة نوزعها بالتساوي على الجميع، الجميع الفلسطيني والعربي والدولي، الكل يجب أن يكون له نصيب من الغضب والشتائم الغزية وهذا سيحصل قريبًا.

لفتني منذ شهرين تقريبًا، انعقاد عشرات ورش العمل والجلسات التحليلية التي تضع مأساة غزة (الترنيد) ركيزة لها في جلسات الحوار والتحليل والاستنتاج التي تعقدها من آن إلى آخر، لا بأس، هذا جهد مهم ومطلوب من أجل بناء قاعدة معلوماتية تساعدانا في فهم ما يجري ومألات هذا على الوضع العام، لكن لو طرحنا سؤالين مهمين الأول: أليس خروج المفكرين والمحللين وضيوف هذه اللقاءات في تظاهرات داخل الأرض المحتلة أكثر فائدة من عقد الندوات خاصة أنكم تبحثون مجزرة ما زالت مستمرة وليس شيء من الماضي والأولى هو الضغط لوقف المجزرة وليس تحليل مآلاتها؟

السؤال الثاني: لماذا لا يتم دعوة الغزي إلى هذه اللقاءات؟ تتسمر عيناك أمام أسماء المحاضرين والحاضرين فلا تجد بينهم غزي واحد يتكلم عن الموضوع (الغزي) المطروح، وهو الذي يجب أن تُسمع روايته ورؤيته في الخسائر وفي الخطط المستقبلية للبناء والتنمية، وحتى في فهم الحالة الاجتماعية التي نشأت بين السكان بعد حرب الإبادة.

لماذا هذا الاستثناء؟! هل الغزي مادة متعددة الأغراض فقط، تُدعى إلى الموت ولا تدعى إلى المجالسة كما عبر أمل دنقل في البكاء بين يدي زرقاء اليمامة، تكلمي أيتها (الندوات المقدسة)؟

لماذا تعقد ندوة في حيفا، أو رام الله أو حراج القط ولا يُدعى لها ضيوف من غزة ورفح وخانيونس وهم مادة الحوار والاجتماع، فإن كانت الحُجة أن الغزي ممنوع من السفر، فها نحن منتشرون مثل (يهود التاريخ) في كل عواصم العالم، وإن كانت الحُجة أن الغزي لا يمكن أن يدخل إلى الأرض المحتلة داخل الخط الأخضر، ففي داخل الخط الأخضر من الغزيين ما يكفي لدعوتهم على ندوات تملأ الأجندة لعام قادم، أما في الضفة الغربية فغزة موجودة بعلمائها في مراكز مهمة ومعروفة ولا يجهلها منظمي الندوات، وهذا يؤكد أن الأمر إن لم يكن مقصودًا، فهو غير مطروح في البال أصلا وبأنهم لا يرون في غزة إلا حطب نار، ومادة يمكن لها أن تُثري النقاشات وتجعلها أكثر دسامة، والدسم هنا من لحمنا ودمنا.

هذا ليس انحياز أبدًا للجغرافيا وإن كانت تستحق، بل حق في التمثيل والحديث، فغزة كما كل المدن في العالم فيها من يستطيع أن يوصل صوتها وينقل صورة الوضع فيها بدقة أكثر ووجهة نظر مختلفة أيضًا، لا أقول حقيقية أو صحيح، بل مختلفة، فنحن لسنا منزهين، ولكننا نرفض أن نكون مادة للمترفين تحت أي مسوغ أو شعارات وطنياتلية.

إحدى هذه المؤسسات تواصلت معي وطلبت مني ان أكون ضيفًا متحدثًا عن غزة وأن أتحدث عن حياة الناس و(بطولاتهم) في المحافظة على حياتهم أمام العدوان، تركت المتصلة تتحدث حتى انتهت فسألتها: هل تعتبرين الحصول على الطعام والشراب بطولة؟! فقالت نعم، وهي لا تعلم أنني شخصيًا كنت (بطلأ) وأنا أحصل على الطعام والشراب أثناء وجودي داخل الحرب، لكني كنت بطلا مذلولًأ، فكيف ستفهم هذه (الغلبانة) أن من صفات البطولة أن لا تشعر بالذل .. المهم تواصلت المحادثة واتفقنا على موضوع الجلسة التي أخبرتني أنها ستكون عبر(الأون لاين) فسألتها إن كانت الجلسة وجاهية أم كلها (أون لاين) فقالت أنها وجاهية وأنني فقط الضيف الوحيد الذي سوف يُشارك (أون لاين) فسألتها لماذا؟! فقالت: عشان من غزة، فأخبرتها أنني من غزة ومتواجد الآن في القاهرة فقالت: أعلم ولكن مش حتفرق كثير.

هكذا اختاروا الضيوف وقرروا عن غزة وضيفها أن يحضر عبر الزوم وأن حضوره وجاهيًا لن يختلف عن حضوره إلكترونيا وإنها (مش حتفرق كثير) هكذا يُقرر صعاليك الثقافة والندوات الجدد عن غزة وأهلها، هذا هو النموذج الذي يتعاملون من خلاله، تحصيل حاصل، لذا يجب رفض هذا المنطق وفضح أهله لانهم قبل أن يكونوا أغبياء هم جهلة.

المصدر : خاص-زوايا

مواضيع ذات صلة

atyaf logo