التضليل في أسباب الانقسام وفي خطاب الأحزاب حول المصالحة

المصالحة الفلسطينية في الجزائر
المصالحة الفلسطينية في الجزائر

سبق وأن تحدثنا مطولا في مقالات سابقة وعبر وسائل الاعلام عن الانقسام والمصالحة، ومع أن غالبية الشعب لم تعد تثق بحوارات المصالحة ولا تتفاءل خيرا منها، ليس لأن الشعب استكان لواقع الانقسام بل لانعدام الثقة بالأحزاب، مع ذلك فسنواصل الكتابة عن الموضوع لأن كثيرا من الحقائق يتم تجاهلها عمدا من أطراف الانقسام وحتى من الدول المضِيفة للحوار أيضا تضليل ومغالطات وكذب على الشعب، وهذا ما تكرر في كل جلسات حوارات المصالحة حتى التي تمت مؤخرا  في الجزائر والتي تمخض عنها بيان أو اتفاق فيه التفاف على الأسباب الحقيقية للانقسام وتجاهل للوقائع القائمة على الأرض.  

الحقائق التي يتم تجاهلها والمغالطات التي يتم ترويجها وتداعيات كل ذلك يمكن تلخيصها كما يلي: 

1- الزعم بأن سبب الانقسام هو الخلاف بين فتح وحماس وبالتالي إن تصالحا سينتهي الانقسام، هذه مغالطة بل وتضليل لأن الانقسام حدث نتيجة قرار استراتيجي إسرائيلي وهذه الأخيرة وظفت الخلافات الفلسطينية لتنفيذ مخططها. 

2- بالرغم من أن الطرفين- فتح وحماس- يعرفان حقيقة مخطط الانقسام وحتى مصر وقطر ودول أخرى، إلا أنهم لا يجرؤون على البوح بالحقيقة حتى لا يكشفا تقصيرهما وتواطؤ بعضهم في صناعة الانقسام، وبالتالي فإنهم يواصلون الكذب والتضليل على الشعب.

3- الترويج بأن مصالحة فتح وحماس سيؤدي لإعادة توحيد غزة والضفة في سلطة وحكومة واحدة، وفي هذا تجاهل لوجود فصل وفاصل جغرافي بين الجهتين تتحكم به إسرائيل كما أن السلطة سواء في غزة أو الضفة سلطة حكم ذاتي بدون سيادة والكيان الصهيوني يتحكم في كل مناحي الحياة في الضفة وغزة بل وفي يده قرار استمرار أو انهاء أي من السلطتين أو كلاهما.

اقرأ أيضاً: وزير مصري سابق: واشنطن ستعزل نفسها ولن تدخل في صدام مع "إسرائيل"

4- استمرار التعامل مع الانقسام كخلاف سياسي بين حركتي حماس وفتح بينما الواقع يقول بأن الانقسام تعمّق اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وحتى داخل الأحزاب نفسها، فسلوك الأحزاب وثقافة منتسبيها في الضفة مختلف عن نفس الأحزاب في قطاع غزة. الأحزاب في الضفة تهادن السلطة هناك، ونفس الأحزاب في القطاع تهادن سلطة حماس، وهذا ينطبق على حركتي فتح وحماس في كلا الجهتين، والأمر نلاحظه حتى بالنسبة لمؤسسات المجتمع المدني.!!

5- جلوس وفد حركة فتح مقابل وفد حركة حماس في لقاءات المصالحة يشكل اعترافا بأن الخلاف قائم بين الحركتين، والحقيقة أن الخلاف هو بين حركة حماس كصاحبة مشروع إسلامي انقلبت على المنظمة وسلطتها من جانب ومنظمة التحرير الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني وممثلة المشروع الوطني .

6- التناقض بين القول بالسعي للمصالحة وانهاء الانقسام من جانب والممارسات الفعلية على الأرض من جانب آخر، حيث تتوالى القرارات والممارسات من طرف سلطتي غزة والضفة التي تكرس الانقسام وتقطع خط الرجعة، وهناك دلائل على حدوث مصالحة خفية على قاعدة إدارة الانقسام وحفاظ كل طرف على مكتسباته، وما يؤكد ذلك أن تنظيم حركة فتح في غزة يتعامل مع سلطة حركة حماس ويلتزم بقوانينها وينسق معها في كثير من الأمور، وحركة حماس في الضفة تتعامل مع السلطة الوطنية وتلتزم بقوانينها.

7- تجاهل دور الأطراف الخارجية ذات التأثير في الملف الفلسطيني، فبالإضافة ألي إسرائيل توجد أطراف أخرى تؤثر في الحالة الفلسطينية ربما أكثر من تأثير الأحزاب المجتمعة في جلسات الحوار وذلك لاعتبارات أيديولوجية وسياسية ومن خلال نفوذها المالي، ومنها الدول المانحة للسلطة وقطر وتركيا وجماعة الإخوان المسلمين ومحور المقاومة ومصر والأردن، وقرار إنهاء الانقسام بيد هذه الأطراف أكثر مما هو بيد الأحزاب الفلسطينية.

8- القفز على موضوع الاستراتيجية  الوطنية والبرنامج السياسي، بمعنى عدم تحديد ما الذي يريده الفلسطينيون: حل الدولتين، الدولة الواحدة، دولة في غزة، تقاسم وظيفي مع الأردن، تحرير كامل فلسطين، وما هي الأداة أو الأدوات النضالية الأنسب لتحقيق الهدف المنشود: تسوية سياسية من خلال المفاوضات وعلى أساس برنامج اتفاق اوسلو، مؤتمر دولي للسلام، تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، مقاومة مسلحة لتحرير كامل فلسطين، أم الجمع بين المقاومة والتسوية السياسية وكيف يتم ذلك.

اقرأ أيضاً: وسط مؤشرات كارثية.. الكثافة السكانية تنفجر في غزة

9- لا يتم استشارة الشعب وأخذ رأيه فيما يتم التوافق عليه في اتفاقات المصالحة من خلال الاستفتاء أو غيرها من الطرق، بالرغم من معرفة الجهات المضيفة للحوارات أن الأحزاب لم تعد تمثل الشعب تمثيلا صحيحا وهذا ما يجعل الشعب غير مهتم بحوارات المصالحة. 

10- وكأن تكرار لقاءات واتفاقات المصالحة أمر مقصود الهدف منه تبليغ رسالة للشعب باستحالة المصالحة وانهاء الانقسام وإصابة الشعب بحالة من الإحباط تدقعه  للقبول بالأمر الواقع وعدم التفكير بالمصالحة والوحدة الوطنية.

وفي الختام فإن لم تحقق حوارات الجزائر وما صدر عنها من اتفاق مبادئ عامة أي تقدم خلال عام، ويبدو بل من المؤكد أنها لن تحقق، فعلى الشعب الفلسطيني واحزابه المأرومة التوقف عن الحديث عن حوارات مصالحة بين الفصائل والتي ثبت أنها كانت عبثية والانتقال للحديث والعمل على موضوع الوحدة الوطنية التي تتجاوز قيود الانقسام والفصل بين غزة والضفة وحسابات السلطة والحكومة، وفي هذا السياق يمكن استلهام تجربة منظمة التحرير الفلسطينية في بداياتها وكيف استطاعت توحيد الشعب الفلسطيني وكل القوى السياسية المتواجدة آنذاك بالرغم من التباعد والفصل الجغرافي بين تجمعات الشعب الفلسطيني وعدم وجود سلطة وحكومة، حيث غزة كانت تحت حكم مصري والضفة تحت حكم الأردن وجزءا منه وبقية الشعب إما تحت حكم الاحتلال أو في أرض الشتات، وآنذاك استطاعت منظمة التحرير انتزاع اعتراف عربي ودولي بأنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بالرغم من ممارستها للعمل الفدائي والكفاح المسلح جنبا لجنب مع العمل السياسي والدبلوماسي، وكان الشعب موحدا أكثر بكثير مما هو عليه اليوم في ظل وجود سلطتين.

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo