أزمة مالية تلوح بالأفق بغزة.. مفتعلةٌ أم حقيقية؟

اجتماعات حكومة غزة
اجتماعات حكومة غزة

تلوح أزمةٌ ماليةٌ تهدد رواتب موظفي الحكومة بقطاع غزة، عقب إعلان الجهاتِ الحكومية عن وجود عجزٍ ماليٍ يستحيلُ من خلاله صرف نسبة 60% من الرواتب، والتي اعتاد عليها الموظفون منذ راتب نوفمبر 2021.

وفي يوليو 2022 أعلن وكيل وزارة المالية في غزة عوني الباشا، أن حكومة غزة تعاني من أزمة مالية، بسبب انخفاض الإيرادات وتحمل الجهات الحكومية لعدد من الزيادات في السلع، مما سيؤثر على نسبة صرف رواتب الموظفين.

وأعلنت لجنة المتابعة العمل الحكومي، التي تديرها حماس في غزة، عن إجراءاتٍ تقشفيةٍ في مواجهة "العجز المالي التراكمي"، بحسب وصفها دون إيضاحٍ ماهية الإجراءات التقشفية وطبيعتها.

وفي ظل الحديث عن أزمةٍ ماليةٍ خانقةٍ في غزة ستؤثر على رواتب الموظفين، ثمة تساؤلات عن حقيقة هذه الأزمة، وما الذي تغير على جباية حكومة حماس من الضرائب؟، وما طبيعة الأزمة وشدتها ومداها الزمني؟.

ضبابية في المعلوماتِ الماليةِ

وقال الباحث الاقتصادي محمد نصّار، إنّ قطاع غزة محاصر منذ سنواتٍ عديدةٍ، وكل الجباية على الواردات لقطاع غزة (عبر معبر كرم أبو سالم التجاري) تذهب لخزينة السلطة في رام الله تحت ما يعرف بـ"المقاصة".

وتدفع السلطة رواتب 185 ألف موظف لديها، منهم 42 ألفاً في قطاع غزة، وبين "نصار" أن ما يدخل خزينة السلطة من ضرائب بسبب الحركة التجارية لقطاع غزة هو أعلى مما تدفعه لموظفيها داخل القطاع.

وتجبي الجهات الحكومية في غزة "تعلية ضريبة" على السلع التي تدخل من المعابر الإسرائيلية إضافة لما تتقاضاه السلطة، إلى جانب الضرائب المفروضة على البضائع المصرية، والتي تبلغ نسبتها 20% مما يدخل قطاع غزة، "بحسب نصار".

وحول الأزمة المالية التي تلوحُ في الأفق، قال "نصار": "هناك ضبابية وتعتيمًا في البيانات المالية حول حجم الصادرات والواردات وما يدخل خزينة الجهات الحكومية في غزة، الأمر الذي يعقّد التكهن بطبيعة الأزمة ومدى قوتها واستمراريتها".

انخفاض الاستهلاك والجباية

وبيّن أن انخفاضًا حدث في استهلاكِ السلع في قطاع غزة، تزامنًا مع ارتفاع الأسعار والأزمة المالية التي ضربت العالم، ما أثر على حجم الواردات وجني الضرائبِ.

وفيما يتعلق بالبضائع المصرية، أوضح أن هناك اختلافًا في أسعار الوقود والمواد الغذائية بين الأسعار الواردة من المعابر الإسرائيلية من جانبٍ وبين الواردة من معبر رفح التجاري مع مصر، والتي لا تخضع للأسعار العالمية وتتحكم بها الحكومة المصرية.

وحول المعلومات المالية للجهاتِ الحكومية في غزة، قال "نصار": "لا تتوافر أرقام معلنة، وهذا يعني الضبابية حول الأزمة المالية (...) لم نعلم بالبيانات في الوضع الطبيعي ولا في الأزمة".

وتبلغ مصروفات الجهات الحكومية في غزة 125 مليون شيكل، تذهب منها 111 مليون شيكل لرواتب الموظفين، و60 مليون شيكل فقط يتم جبايتها من الضرائب الداخلية والمحصلة من الجانب المصري وضرائب أذونات الاستيراد، بحسب "نصار".

ترحيل الأزمات وتداعيات كارثية

وأسِف "نصار" على ترحيل الجهات الحكومية في غزة للأزمات بلا حلولٍ واقعيةٍ، إضافة إلى غياب المعلومات المالية الأمر الذي يعقد الأزمة، مشيرًا إلى الجهات الحكومية أعلنت خطة للتقشف عقب الكشف عن الأزمة دون إيضاحٍ للخطوات التي ستتخذها إزاء هذه الأزمة.

ونوّه إلى أن العجز المالي الذي ذكرته الجهات الحكومية والبالغ 60 مليون شيكل هو عجزٌ كبيرٌ، وأنه مهما بلغت إجراءات التقشف فإن الأزمة ستطال الموظفين حتمًا.

ورفعت الجهاتُ الحكومية في غزة بدءًا من راتب نوفمبر 2021 نسبة الصرف من 55% إلى 60%، نتيجة دعمٍ قطريٍ بلغ 10 ملايين دولار شهريا لرواتب الموظفين، في حين كانت نسبة الصرف أقل من ذلك منذ بداية الأزمة المالية في عام 2013م.

وأكد "نصار" أن تداعيات الأزمة ستكون كارثية على الموظفين في غزة بشكل خاص، وعلى قطاع غزة بشكل عام، والذي يعاني أكثر من 59% من سكانه من الفقر، وانعدام الأمن الغذائي لثلثي السكان.

أزمة مفتعلة

من جانبه، قال المختص بالشأن الاقتصادي الدكتور رائد حلس، إن الأزمة المالية في غزة غير حقيقية، بالنظر إلى عدم تغير الأسباب المتعلقة بالحصار والانقسام.

وقال حلس خلال حديثه لـ "زوايا": "الضرائب والرسوم الجمركية بقيت على حالها منذ سنواتٍ بل ارتفعت خلال الفترةِ الماضية"، معتبرًا أن الأزمة "مفتعلة".

ويعتقد "حلس" أن رفع الجهات الحكومية في غزة نسبة الصرف إلى 60% بدءا من راتب نوفمبر 2021، جاء ضمن إطار ضمان الجبهة الداخلية للانتخابات التي كانت مقررة خلال أشهر، وهو الأمر الذي فعلت السلطة بالضفة مثله، حيث رفعت النسبة إلى 80%.

ويرى أنه بعدما فشلت الانتخابات الفلسطينية، والتي كانت مقررة في العام 2021، ذهب سبب رفع الرواتب، وأن الأمر سيعود لطبيعته السابقة، وسيؤثر على نسبة صرف رواتب الموظفين.

زيادة الواردات والعمال

وحسب "حلس"، فإن الجهات الحكومية في غزة فرضت تعلية جمركية على البضائع الواردة من الضفة، وتم دخول آلاف العمال للداخل المحتل عام 1948م، وصرف بعض مخصصات الشؤون الاجتماعية قبل عيد الأضحى 2022، الأمر الذي ينسف ادعاء الجهات الحكومية بوجود أزمة.

وأكد أن الجهات الحكومية في غزة لا تفصح كما السلطة وحكومة رام الله عن حجم الميزانية والواردات والصادرات، وأنه لا يوجد أرقام حقيقية في هذا الإطار.

وأرجع معظم الأزمات التي يعاني منها الشعب الفلسطيني إلى عوامل سياسية، مطالبًا بإنهاء حالة الانقسام وتشكيل حكومة وحدة وطنية، معتبرًا أنها كفيلة بإنهاء الأزمات في غزة والضفة.

وتستمرُ التناقضات والتحليلات المختلفة حول الأزمة المالية في غزة، فمنهم من يرى أنها مفتعلةً ولا جديد على موضوع الإيرادات، ومنهم من ذهب إلى أن الجهات الحكومية تعاني من أزمةٍ فعلية نتيجة انخفاض الإيرادات، وسط تعتيمٍ وضبابية من الجهات الحكومية حول الميزانيات وحجم الإيرادات والمصروفاتِ، الأمر الذي عقّد الأزمة وجعل التكهن بطبيعتها ومداها صعبًا، إلّا أن الأكيدُ هو التداعيات الكارثية لتقليص الرواتب على قطاع غزة والموظفين والأسر الفلسطينية.

المصدر : خاص-زوايا
atyaf logo