استكمالاً لجريمة "بلفور".. "الاعتقال" مصير المتضامنين مع فلسطين في بريطانيا

التضامن البريطاني مع فلسطين
التضامن البريطاني مع فلسطين

لم تتوان الحكومة البريطانية عن دعمها للصهاينة منذ ما يزيد على قرنٍ من الزمن، فبالإضافة إلى وعد بلفور سنة 1917 بإنشاء "وطن قومي" لليهود في فلسطين، أبت بريطانيا على تقديم المساعدة العسكرية للنظام الإسرائيلي، اشتملت على تطوير الأسلحة النووية ومبيعات الأسلحة وغيرها من أشكال المساعدة.

ورغم أن الحكومة البريطانية تتخذ موقفًا رسميًا معارضًا للمستوطنات الإسرائيلية منذ 1967، لكنها ترفض محاسبة إسرائيل، بل وتكافئ النظام الإسرائيلي بتوطيد العلاقات التجارية والدبلوماسية معه، وهو ما ينسجم مع حالة التوافق الأيديولوجي التاريخي بين بريطانيا والصهيونية، وعن أولويات السياسة الخارجية البريطانية في الشرق الأوسط.

ومؤخراً يتعرض النشاط والمتضامين مع القضية الفلسطينية في لندن لهجمةٍ متنامية كشفت عنها ورقة سياسية للكاتبة "يارا هواري" المحللة الرئيسية في شبكة السياسات الفلسطينية.

وتطرقت "هواري" إلى جهود الحكومة البريطانية الأخيرة الرامية لمنع الهيئات العامة من ممارسة مقاطعة الاحتلال وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، وإلى الخلط بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، حيث تقع هذه الإجراءات القمعية في سياق الدعم البريطاني التاريخي المعهود للنظام الإسرائيلي، وفي سياق تشريع مقترح الذي من شأنه أن يجرِّمَ طائفةً واسعة من الحركات السياسية وحركات العدالة الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: زيارة بايدن "الموعودة": السعودية أهم من رام الله وتل ابيب؟

وأكدت أن الحكومة البريطانية اتخذت تدابير لقمع النشاط المتضامن مع فلسطين، كان لها تداعيات خطيرة على نشاط التضامن مع فلسطين والحركات المتحالفة معها، مضيفةً أن بريطانيا اتخذت خطوات تشريعية لتقييد الحق في المقاطعة، وهو تهديد مباشر لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.

كما أصدرت عام 2016، "توجيهات" تندد بمقاطعة المشتريات في الهيئات العامة باعتبارها "غير مناسبة"، حيث تصاعدت وتيرة هذه الهجمات في السنوات الأخيرة، وصولاً إلى عزم الحكومة البريطانية عرض مشروع قانون مناهض للمقاطعة على البرلمان وهي خطوة من شأنها أن تهدد عمل طائفة واسعة من حملات العدالة الاجتماعية، كما تقول المحللة السياسية "هواري".

وقالت إن حكومة لندن استحدثت عام 2003، استراتيجية "المنع" للتعامل مع ما أسمته "التطرف" لاستهداف الأفراد قبل ارتكابهم أي جريمة، وتقتضي من العاملين في قطاعي التعليم والصحة تحديد المتطرفين المحتملين الذين لم يرتكبوا جريمةً بعد.

وبحسب هواري يُعد التعاطف مع فلسطين أو الاهتمام بشأنها، بموجب استراتيجية المنع، إشارة محتملة للتطرف، وتتجلى آثار ذلك بوضوح، حيث تعرض تلاميذ للاستجواب من الشرطة، وتعرض طلاب جامعيون للمراقبة والمضايقة، على خلفية تضامنهم مع الفلسطينيين.

بالإضافة إلى ذلك عملت الحكومة البريطانية كما تشير المحللة السياسية إلى ربط النشاط المتضامن مع فلسطين بالإرهاب والتطرف، وكثيرًا ما يُخلَطُ بينه وبين معاداة السامية، ففي عام 2018، تبنت الحكومة البريطانية تعريف معاداة السامية الذي وضعه التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، والذي يخلط عمدًا بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية.

ومنذ عام 2020، تعرضت الجامعات في المملكة المتحدة لضغوط لاعتماد ذلك التعريف، حيث هددتها الحكومة بإيقاف تمويلها إذا لم تنصاع إلى تعليماتها، وقد أذعنت جامعات كثيرة لتلك الضغوط، وأخذ أكاديميون فلسطينيون يواجهون خطر فقدان وظائفهم على نحو متزايد بسبب ذلك.

وأوضحت محللة شبكة السياسات الفلسطينية أن نشاط التضامن مع فلسطين يواجه أيضًا قمعًا من المناورات القانونية التي تستهدف حركات العدالة الاجتماعية والمجتمعات المستضعفة، ولعل أكثر ما يُثير القلق هو مشروع قانون الشرطة والجريمة وإصدار الأحكام والمحاكم الذي يمنح وزارة الداخلية ومسؤولي الشرطة سلطةَ تقديرية واسعة لاعتبار الاحتجاجات غير قانونية واعتقال واتهام المشاركين فيها ومنظميها.

اقرأ أيضاً: السياسات الإيرانية تجاه المقاومة الفلسطينية.. الدعمُ مقابل تعزيز أوراقها في المنطقة

في المقابل يواصل الناشطون مقاومتهم لهذه الموجة الجديدة من قمع الدولة، وقد نجحوا في مسعاهم في حالات كثيرة، وشكّل عملهم وصفةً تُتَّبع لمقاومة القمع الحكومي المستمر، وإرساء الأرضية للنضال المستقبلي.

ورأت "هواري" أن تكوين التحالفات الطلابية وتحالفات الأكاديميين عنصرٌ أساسي في مقاومة السياسات القمعية في الجامعات، حيث يستطيع الأكاديميون، رفض المشاركة في التجسس الذي تسنّه الحكومة على الطلاب، وأن يضغطوا على الجامعات لكي ترفض تبني تعريف معاداة السامية الذي وضعه التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست.

وطالبت الناشطين المتضامنين مع فلسطين أن يواصلوا التعبئة من خلال المجموعات المتداخلة ضد مشروع قانون الشرطة والجريمة وإصدار الأحكام والمحاكم وغيرها من المناورات الحكومية، مشيرةً إلى أن هذه المجموعات قادرة على ممارسة ضغط أكبر على الحكومة، لأنها تعتقد اعتقادًا راسخًا بترابط النضالات، وتؤمن بمقاومة القمع والاضطهاد.

كما تُعد المعارضة القانونية ضد نزع الشرعية عن حركة المقاطعة فعالةً على نحو خاص في المملكة المتحدة، بحسب ما ترى "هواري" التي قالت إنها استطاعت أن تقاوم محاولات الحكومة البريطانية لإسكات حركة المقاطعة في المحاكم، بالتزامن مع نجاحات مشابهة حققتها تدخلات قانونية في أنحاء مختلفة من أوروبا.

وخلصت الكاتبة أن الاستراتيجية الجماعية هي الأجدى في مقاومة سياسة الدولة البوليسية التي تنتهجها الحكومة البريطانية ضد حملة التضامن التي لا تقتصر على الدفاع عن حقوق الناشطين المتضامنين مع فلسطين، وإنما تتصدى أيضًا للتهديدات العامة التي تواجه حرية التعبير وتجاوزات الحكومة البريطانية ضمن الديمقراطية المحلية.

وأشارت إلى ما كتبته نائبة مدير حملة التضامن مع فلسطين، ريفكا بارنارد، "أن القوة الجماعية هي التي تخيف حكومة لندن المتواطئة والشركات التي تتمتع بحرية مطلقة في التربح من الموت والدمار".

المصدر : متابعة -زوايا
atyaf logo